يتقدم الاتفاق النووي المرتقب بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية خطوة جديدة إلى الأمام، بعد أن كشف رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي عن ملامح الترتيبات التفتيشية التي سترافق هذا التعاون، في وقت لا تزال المراجعة أمام الكونغرس الأميركي مستمرة.
وبحسب ما ذكره موقع OilPrice نقلاً عن تصريحات غروسي التي أطلقها يوم الاثنين في فيينا على هامش اجتماع مجلس محافظي الوكالة لشهر سبتمبر، فإن الاتفاق النووي بين الطرفين لن يتضمن أشد أنظمة التفتيش التي تتيحها الوكالة الدولية، المعروف بـ«البروتوكول الإضافي»، لكنه سيقترب كثيراً من مستوى الرقابة على الأنشطة الأكثر أهمية.
ويسمح البروتوكول الإضافي لمفتشي الوكالة بالدخول دون إشعار مسبق إلى مواقع لم تصرح الدولة أصلاً بوجودها، وهو أعلى مستوى من الشفافية النووية الذي تطلبه الوكالة من الدول الأعضاء. وأوضح غروسي، كما نقل عنه OilPrice، أن الرياض لن توقّع على هذا البروتوكول، ما يعني أن نطاق التفتيش سيبقى دون السقف الأقصى المتاح دولياً، وإن كان سيغطي معظم الأنشطة الحساسة في البرنامج النووي السعودي المرتقب.
هذا التوضيح من رئيس الوكالة الدولية يأتي في وقت حساس، حيث لا يزال الكونغرس الأميركي يراجع تفاصيل الاتفاق قبل أي مصادقة نهائية عليه، وسط نقاش مستمر في واشنطن حول مستوى الضمانات المطلوبة لمنع أي استخدام مزدوج للتكنولوجيا النووية المدنية. وتُعد قضية التفتيش والرقابة من أهم النقاط الخلافية التي تُبنى عليها موافقة المشرعين الأميركيين على أي اتفاق نووي مع دول جديدة تنضم إلى نادي الطاقة النووية السلمية.
ويأتي هذا التطور في سياق سعي السعودية إلى تطوير برنامج للطاقة النووية السلمية كجزء من استراتيجيتها لتنويع مصادر الطاقة ودعم رؤية 2030، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الإقليمية والدولية على صفقات التعاون النووي مع الرياض، خصوصاً من جانب فرنسا وروسيا والصين، ما يجعل الملف مرتبطاً أيضاً بمعادلات جيوسياسية أوسع تتجاوز الجانب التقني البحت.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
قد يكون لتقدم الاتفاق النووي الأميركي-السعودي أثر تدريجي على مناخ الاستثمار في قطاع الطاقة بالمملكة، إذ يُتوقع أن يعزز أي تقدم ملموس في هذا الملف من الثقة في التزام الرياض بمصادر طاقة متنوعة تدعم أهداف التحول الاقتصادي طويل الأمد. ومع ذلك، فإن استمرار مراجعة الكونغرس الأميركي يعني أن أي تأثير مباشر وسريع على الأسواق الخليجية، بما فيها بورصة تداول السعودية أو قطاع الطاقة المحلي، يبقى مرهوناً بمدى سرعة حسم الملف تشريعياً في واشنطن.
ومن الناحية النقدية، لا يُنتظر أن يحمل هذا الملف تأثيراً مباشراً على ارتباط الريال السعودي وعملات مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأميركي، إذ يظل هذا الملف تقنياً وسياسياً في طبيعته أكثر من كونه ملفاً نقدياً أو مالياً. لكن على المدى المتوسط، قد يُنظر إلى نجاح الرياض في تأمين تعاون نووي مع واشنطن كإشارة إيجابية إضافية لمكانة السعودية كشريك استراتيجي موثوق، وهو ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على تصنيفات المخاطر السيادية وتكلفة الاقتراض الحكومي والشركاتي في السوق الخليجية، خصوصاً إذا ترافق مع مضي قدماً في مشاريع الطاقة النووية المدنية التي تحتاج تمويلات ضخمة طويلة الأجل. كما قد تراقب أسواق الطاقة الإقليمية هذا الملف عن كثب، لما يحمله من دلالات على مستقبل مزيج الطاقة في أكبر مصدّر نفطي بالعالم.





