رصدت شبكة CNBC ظاهرة لافتة في الأسواق المالية العالمية، حيث بلغت العلاقة بين أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات أقوى مستوياتها منذ عام 2019، أي منذ نحو سبع سنوات. وبحسب ما ذكرته الشبكة الأمريكية، فإن هذا التزامن الوثيق بين حركة الأصلين يُنظر إليه على أنه إشارة سلبية لمسار الأسواق في المرحلة المقبلة.

ولطالما اعتاد المتداولون على رؤية علاقات متباينة أو ضعيفة بين سلعة استراتيجية كالنفط وأداة دين حكومي مثل سندات الخزانة، إذ تتأثر كل منهما تقليدياً بعوامل مختلفة نسبياً؛ فالنفط يتحرك وفق موازين العرض والطلب العالميين والتوترات الجيوسياسية، بينما ترتبط عوائد السندات أساساً بتوقعات السياسة النقدية والتضخم ونمو الاقتصاد الأمريكي. أما اليوم، فبحسب تقرير CNBC، فإن الأصلين يتحركان في نمط متزامن غير معتاد، وهو ما يثير تساؤلات حول ما يحمله ذلك من دلالات لصناع القرار في الأسواق.

ومن الناحية الاقتصادية، تشير هذه العلاقة الوثيقة عادة إلى أن الأسواق تربط بين ارتفاع أسعار النفط وتصاعد الضغوط التضخمية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة. فحين ترتفع كلفة الطاقة، ترتفع معها كلفة الإنتاج والنقل والاستهلاك، ما يغذي مخاوف التضخم ويدفع عوائد السندات صعوداً تحسباً لبقاء البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، عند مستويات فائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.

وهذا النمط من التزامن، إن استمر، قد يعني أن أي صدمة في أسواق النفط - صعوداً أو نزولاً - ستنتقل تأثيراتها بسرعة أكبر إلى سوق الدين الأمريكي، ومنه إلى بقية فئات الأصول، بما فيها أسواق الأسهم العالمية التي تتأثر تاريخياً بارتفاع تكلفة الاقتراض. ووصفت CNBC هذا التطور بأنه أخبار سيئة للأسواق، في إشارة إلى أن اجتماع عاملي الضغط، أسعار الطاقة المرتفعة وعوائد السندات المرتفعة، في اتجاه واحد يضاعف من حجم المخاطر على المحافظ الاستثمارية المتنوعة التي تعتمد عادة على تباين حركة الأصول لتوزيع المخاطر.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

بالنسبة لأسواق الخليج، فإن تشديد الارتباط بين أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأمريكية يحمل انعكاسات ذات طابع مزدوج. فمن جهة، ترتبط عملات دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها الريال السعودي والدرهم الإماراتي، بالدولار الأمريكي بشكل مباشر أو شبه مباشر، مما يجعل تحركات عوائد الخزانة الأمريكية ذات تأثير مباشر على تكلفة الاقتراض المحلية وأسعار الفوائد على القروض والرهون العقارية في المنطقة. فإذا استمرت عوائد السندات الأمريكية في الارتفاع تماشياً مع أسعار النفط، فقد تجد البنوك المركزية الخليجية نفسها مضطرة لمواكبة أي تشديد نقدي أمريكي، وهو ما قد يرفع كلفة التمويل على الشركات والمستهلكين في دول الخليج.

ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع أسعار النفط نفسه يصب تقليدياً في مصلحة الموازين المالية لدول الخليج المصدرة للنفط، عبر تعزيز عائدات الصادرات وتحسين أرصدة الموازنات العامة. لكن إذا كان هذا الارتفاع مصحوباً بضغوط تضخمية عالمية وتشديد نقدي طويل الأمد، فقد يتقلص الأثر الإيجابي جزئياً بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد وكلفة الدين الحكومي والخاص. كما قد تشهد بورصات المنطقة، مثل سوق تداول السعودي وسوق دبي المالي، تقلبات مرتبطة بحركة أسواق الأسهم الأمريكية والعالمية إذا تصاعدت المخاوف من أن هذا الارتباط غير المعتاد بين النفط والسندات ينذر بمرحلة من التقلب المالي الأوسع.