في وقت كانت الأسواق العالمية تتحسب لأزمة طاقة حقيقية عقب اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل وتداعياتها على مضيق هرمز، تحرك عامل لم يكن في صدارة اهتمام كثير من المتابعين، وهو السياسة الصينية في تخزين النفط الخام. وبحسب ما ذكرته شبكة CNBC الأميركية في تقرير حديث، فإن بكين نجحت عبر إستراتيجيتها في التخزين ثم التراجع عن المشتريات منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، في المساعدة على إبقاء الغطاء على أسعار النفط، ومنع تصاعدها إلى مستويات كانت متوقعة في ظل المخاوف من تعطل إمدادات الخليج عبر مضيق هرمز.

وأشارت الشبكة الأميركية إلى أن الصين، وهي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، كانت قد بنت مخزونات ضخمة من الخام في الفترة التي سبقت الحرب، وهو ما أعطاها مساحة للمناورة حين اشتعلت الأزمة. فبدلاً من أن تدخل السوق بشكل عدواني لتأمين احتياجاتها في وقت الذروة، وهو ما كان سيرفع الطلب العالمي ويضخم الأسعار بشكل أكبر، اختارت بكين تخفيف وتيرة مشترياتها والاعتماد جزئياً على مخزوناتها القائمة. هذا السلوك، بحسب التقرير، امتص جزءاً كبيراً من الضغط الذي كان يمكن أن يترجم إلى قفزات حادة في أسعار خام برنت، المرجع العالمي لتسعير النفط.

ويربط التقرير هذا التطور بالمخاوف الأوسع التي أحاطت بالحرب الإيرانية، إذ كانت الأسواق تخشى من تكرار سيناريوهات إغلاق أو تعطل جزئي لمضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز من دول الخليج. وأي تعطل فعلي في هذا الممر كان من المتوقع أن يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، لكن تراجع الطلب الصيني النسبي، بحسب ما ورد في التقرير، لعب دوراً في تعديل هذا المسار وتخفيف حدة الصدمة على السوق العالمية.

يُذكر أن الصين ليست فقط أكبر مستورد للنفط في العالم، بل هي أيضاً لاعب محوري في تشكيل توقعات الطلب العالمي، ما يجعل أي تغيير في سلوكها الشرائي، سواء بالزيادة أو التراجع، ذا تأثير مباشر على مسار الأسعار في الأسواق الآجلة والفورية على حد سواء.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

لدول الخليج، التي تشكل صادرات النفط والغاز عصب اقتصاداتها وموازناتها العامة، فإن أي عامل يخفف من تقلبات أسعار النفط الناتجة عن أزمات جيوسياسية قد يكون له وجهان متعارضان. فمن جهة، تراجع الصين عن الشراء المكثف ساعد على تجنب موجة تضخم عالمية حادة كانت ستزيد كلفة الاستيراد على دول الخليج نفسها، خصوصاً في ظل ارتباط عملات مجلس التعاون بالدولار الأميركي وتأثر تكلفة الاقتراض المحلية بقرارات السياسة النقدية الأميركية. ومن جهة أخرى، فإن غياب ارتفاع حاد في الأسعار يعني عادةً إيرادات نفطية أقل من المتوقع لموازنات دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على عوائد الخام لتمويل برامجها التنموية وخطط التنويع الاقتصادي.

كما أن استقرار الأسعار نسبياً، رغم اضطرابات مضيق هرمز، قد يُنظر إليه إيجابياً من قبل المستثمرين في أسواق الأسهم الخليجية، مثل بورصة تداول السعودية وسوق دبي المالي، إذ يقلل من حالة عدم اليقين التي تنعكس عادةً سلباً على قطاعات الطاقة والشحن والخدمات اللوجستية المرتبطة بحركة الملاحة في الخليج. ومع ذلك، يبقى من المرجح أن تظل الأسواق حذرة تجاه أي تصعيد جديد قد يهدد فعلياً حركة الناقلات عبر المضيق، وهو ما سيبقي أسعار النفط والأصول الخليجية عرضة لتقلبات مرتبطة بالمستجدات الجيوسياسية أكثر من أي وقت آخر.