عادت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي إلى واجهة الاهتمام من جديد، بعدما توقفت حركتها الصعودية عند مستويات تقترب من الذروة القياسية التي سجلتها في عام 2022، وهي الفترة التي شهدت أزمة طاقة حادة في القارة العجوز عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتراجع إمدادات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب التقليدية.
وبحسب ما ذكرته وكالة Investing.com، فإن أسواق الغاز الأوروبية دخلت مرحلة من التوقف أو الاستقرار المؤقت بعد موجة الارتفاع الأخيرة، في وقت تترقب فيه الأسواق أي مؤشرات جديدة حول العرض والطلب مع اقتراب فصل الشتاء الذي يرفع تقليدياً الاستهلاك على مستوى القارة.
وفي السياق ذاته، وجّهت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، تحذيراً بشأن مخاطر انتقال أثر أسعار الطاقة المرتفعة إلى بقية مكونات التضخم في منطقة اليورو، في إشارة إلى أن الضغوط التي تولّدها كلفة الطاقة قد لا تبقى محصورة في قطاع الطاقة وحده، بل يمكن أن تتسرب تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى، وهو ما يعقّد مهمة البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية وسط توازن دقيق بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
وتأتي تصريحات لاغارد في وقت حسّاس بالنسبة لصناع السياسات في أوروبا، الذين ما زالوا يتعاملون مع تبعات أزمة الطاقة التي أعادت تشكيل خريطة إمدادات الغاز في القارة، ودفعت دولاً أوروبية عديدة إلى تنويع مصادر استيرادها من الغاز الطبيعي المسال، والاعتماد بشكل أكبر على موردين من خارج روسيا، بما يشمل دول الخليج والولايات المتحدة.
ويُنظر إلى عودة أسعار الغاز نحو مستويات قريبة من ذروة 2022 على أنها تذكير بأن سوق الطاقة الأوروبية لا تزال عرضة للتقلبات الحادة، سواء بفعل عوامل جيوسياسية أو تغيرات مناخية تؤثر على الطلب الموسمي، أو اختلالات في سلاسل الإمداد العالمية للغاز الطبيعي المسال.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
قد يحمل اقتراب أسعار الغاز الأوروبي من مستويات 2022 دلالات مهمة لدول مجلس التعاون الخليجي، باعتبارها من كبار مصدّري الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إذ عادةً ما يترجم ارتفاع الطلب الأوروبي على بدائل الغاز الروسي إلى فرص تصديرية إضافية لمنتجي الخليج، وإن كان أثر ذلك يتوقف على حجم العقود القائمة ومرونة الطاقة التصديرية المتاحة لدى كل دولة.
كما أن تحذير لاغارد من انتقال أثر أسعار الطاقة إلى التضخم العام في منطقة اليورو قد يُبقي البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الغربية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في موقف حذر تجاه خفض أسعار الفائدة بسرعة. ونظراً لارتباط معظم عملات دول الخليج بالدولار الأميركي، فإن أي تمديد لفترة تشدد نقدي عالمي قد ينعكس على كلفة الاقتراض المحلية في أسواق الخليج، ويؤثر بشكل غير مباشر على قرارات الاستثمار والإنفاق الحكومي والخاص.
من جهة أخرى، يُتوقع أن تواصل أسواق النفط والغاز في الخليج مراقبة تطورات الطلب الأوروبي عن كثب، إذ إن أي تصعيد جديد في أزمة الطاقة الأوروبية قد يعيد تسليط الضوء على أهمية الإمدادات الخليجية ضمن معادلة أمن الطاقة العالمي، وهو ما قد ينعكس بشكل تدريجي على معنويات المستثمرين في قطاعي الطاقة والصناعات المرتبطة بها داخل بورصات المنطقة.





