في تطور يصفه استراتيجيون بأنه من أكثر التحولات لفتاً للانتباه في أسواق الدخل الثابت العالمية، تشير تقارير حديثة إلى أن سندات الخزانة الأمريكية بدأت تفقد جزءاً كبيراً من جاذبيتها التقليدية لدى المستثمرين الأجانب، في ما يوصف بأنه انعكاس تاريخي في تدفقات رأس المال بين الأسواق الدولية والولايات المتحدة.
وبحسب ما ذكرته شبكة CNBC في تقرير نشرته يوم 7 سبتمبر 2025، فإن المستثمرين من خارج الولايات المتحدة، الذين شكّلوا لعقود طويلة ركيزة أساسية للطلب على سندات الخزانة الأمريكية، بدأوا يعيدون النظر في مراكزهم داخل هذه الأصول التي كانت تعتبر تاريخياً الملاذ الأكثر أماناً وسيولة في العالم. وأشار التقرير إلى أن استراتيجيين في الأسواق يرون في هذا التحول مؤشراً على تغيّر أعمق في طريقة تعامل المستثمرين الدوليين مع الدين الأمريكي، بعد سنوات طويلة كانت فيها هذه السندات محطّ ثقة شبه مطلقة.
ولم يقتصر التقرير على وصف الظاهرة، بل أشار إلى أن هذا التراجع في الطلب الخارجي يدفع شريحة من المستثمرين إلى البحث عن قناة استثمارية بديلة يفضلونها بدلاً من الاستمرار في تكديس الأموال في سندات الخزانة، في ظل تبدّل حسابات المخاطر والعائد التي كانت تحكم هذه السوق لعقود.
هذا التحول، إن استمر بالوتيرة التي تحدث عنها التقرير، قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود سوق السندات الأمريكية نفسها، إذ إن الطلب الأجنبي على هذه الأوراق كان يلعب دوراً محورياً في تمويل عجز الموازنة الأمريكية المتصاعد، وفي تحديد مستوى العائدات التي تشكل مرجعاً لتكلفة الاقتراض عالمياً. وأي تراجع ملموس في هذا الطلب قد يفرض ضغوطاً على واشنطن لإيجاد مصادر تمويل بديلة، أو يترجم إلى ارتفاع في العائدات المطلوبة لجذب المستثمرين مجدداً.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
بالنسبة لأسواق الخليج، فإن أي تحول جوهري في تدفقات رأس المال العالمي تجاه سندات الخزانة الأمريكية يُتوقع أن ينعكس بشكل غير مباشر على المنطقة، نظراً لارتباط عملات معظم دول مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأمريكي. فإذا استمر الاستراتيجيون في وصف هذا الانعكاس بأنه تاريخي، فقد يترجم ذلك إلى تقلبات أوسع في عائدات السندات الأمريكية، وهو أمر عادةً ما ينعكس على تكلفة الاقتراض الحكومي والشركاتي في دول الخليج التي تصدر سنداتها الدولية بالدولار أو مرتبطة عملاتها به.
كما أن صناديق الثروة السيادية الخليجية، التي تُعد من كبار المستثمرين المؤسسيين في الأصول الأمريكية بما فيها سندات الخزانة، قد تجد نفسها أمام إعادة تقييم لمخصصاتها الاستثمارية إذا تعمّق هذا الاتجاه، وهو ما قد يدفعها تدريجياً نحو تنويع أوسع في محافظها بين فئات أصول مختلفة. من جهة أخرى، فإن أي ضغوط على عائدات السندات الأمريكية قد تنعكس على أسواق الأسهم الخليجية، بما فيها بورصة تداول السعودية وسوق دبي المالي وسوق أبوظبي، من خلال تأثيرها على تكلفة رأس المال العالمي وسلوك المستثمرين الأجانب في الأسواق الناشئة عموماً. ومع ذلك، يبقى حجم هذا التأثير وسرعته مرهونين بمدى استمرار هذا الاتجاه ووتيرته في الأشهر المقبلة، وهو ما ستكشفه بيانات التدفقات المقبلة بشكل أوضح.





