في مفارقة تلفت انتباه المتابعين لصناعة الطاقة العالمية، أظهر تقرير نشره موقع OilPrice المتخصص في أسواق النفط أن كبرى شركات النفط والغاز في العالم استطاعت رفع مستويات إنتاجها بشكل مستمر، وذلك على الرغم من أنها كرّست الشريحة الأكبر من أرباحها لصالح المساهمين لا لصالح مشاريع التوسع والاستكشاف.

وبحسب ما ذكره OilPrice، فإن الصدمة التي تعرضت لها صناعة الطاقة إبّان الانهيار التاريخي لأسعار النفط في عام 2020 دفعت هذه الشركات إلى تبني نهج عمل جديد كلياً، قائم على إعادة توزيع أكبر قدر ممكن من السيولة النقدية على المساهمين عبر التوزيعات وبرامج إعادة شراء الأسهم، في حين تراجعت خطط التوسع إلى مرتبة ثانية من سلم الأولويات.

ويشير التقرير إلى أن خمساً من أضخم الشركات العالمية في هذا القطاع، وهي إكسون موبيل وشيفرون وبريتيش بتروليوم وشل وتوتال إنرجيز، أنفقت مجتمعة أكثر من 100 مليار دولار سنوياً على التوزيعات النقدية وإعادة شراء الأسهم على مدى السنوات الخمس الماضية، وهو ما يمثّل نحو 80% من أرباحها خلال تلك الفترة. وهذه النسبة المرتفعة، كما يوضح OilPrice، تعكس تحوّلاً جذرياً في فلسفة الإدارة المالية لهذه الشركات، بعد أن كانت تقليدياً تعيد استثمار حصة أكبر من أرباحها في مشاريع تنقيب وتطوير جديدة.

وعلى الرغم من هذا التوجه نحو تقليص الإنفاق الرأسمالي وضبط النفقات، يلاحظ التقرير أن هذه الشركات لم تشهد تراجعاً في إنتاجها، بل استمر الإنتاج في الارتفاع، ما يطرح تساؤلات حول الكفاءة التشغيلية المتزايدة، واستمرار الشركات في استغلال الأصول القائمة بأعلى معدلات ممكنة، بدلاً من ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع جديدة قد تحمل مخاطر أعلى في بيئة أسعار متقلبة.

هذا النمط يعكس أيضاً حالة الحذر التي لا تزال تخيّم على قرارات كبرى شركات الطاقة الغربية، والتي لا تزال تتذكر جيداً الخسائر الفادحة التي تكبدتها في 2020، حين انهارت الأسعار وتراجعت الطلبات العالمية بشكل غير مسبوق. وبدلاً من المجازفة بتوسعات كبيرة، اختارت هذه الشركات مساراً أكثر تحفظاً يوازن بين إرضاء المساهمين والحفاظ على مستويات إنتاج مستقرة أو متصاعدة.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

قد يكون لهذا التوجه من كبرى شركات النفط الغربية انعكاسات غير مباشرة على أسواق الطاقة في الخليج. فإذا استمرت هذه الشركات في تفضيل توزيع الأرباح على التوسع الرأسمالي، فقد يعني ذلك تراجعاً نسبياً في وتيرة إضافة إمدادات جديدة من مصادر غير خليجية على المدى المتوسط، وهو ما قد يصب في مصلحة منتجي النفط في دول مجلس التعاون الخليجي من حيث الحصص السوقية وقدرتهم التفاوضية داخل تحالف أوبك+.

كما أن نمط الإنفاق هذا قد يُشجّع شركات النفط الوطنية الخليجية، مثل أرامكو السعودية وأدنوك الإماراتية، على مواصلة استثماراتها في التوسع الإنتاجي، مستفيدة من هامش مناورة أكبر في وقت يتراجع فيه الإنفاق الرأسمالي لدى المنافسين الغربيين. ومع ذلك، يبقى من المرجح أن تتأثر بورصات الخليج، وبخاصة الأسهم المرتبطة بقطاع الطاقة في تداول السعودية أو سوق أبوظبي، بأي تحولات في أسعار النفط العالمية الناتجة عن هذه الديناميكية بين العرض والطلب، خصوصاً أن عملات دول المجلس المرتبطة بالدولار الأمريكي تجعل تكلفة الاقتراض وتوجهات السياسة النقدية فيها مرتبطة بشكل وثيق بمسار أسواق النفط والدولار عالمياً. وتبقى هذه القراءة تحليلية مرتبطة بمعطيات السوق المتغيرة، ولا تشكل تنبؤاً حتمياً بمسار الأسعار أو الأسهم.