صادق برلمان شرق ليبيا على الاتفاقية البحرية الموقعة مع تركيا، في خطوة أنهت نحو سبع سنوات من القطيعة بين الطرفين، وفق ما ذكرته شبكة الجزيرة. وتأتي هذه المصادقة لتعيد رسم خريطة التحالفات في شرق البحر المتوسط، إذ تمنح أنقرة مكاسب استراتيجية واسعة في ملف ترسيم الحدود البحرية، بينما تفجّر في المقابل مواجهة دبلوماسية جديدة مع القاهرة بشأن حقوق الغاز والجرف القاري.

وبحسب الجزيرة، فإن هذا التحول يعزز الموقف التركي في منطقة شرق المتوسط التي شهدت خلال السنوات الماضية صراعاً محموماً على ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة بين عدة دول، من بينها مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، إلى جانب ليبيا وتركيا. فمنذ توقيع المذكرة الأولى بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني الليبية عام 2019، ظلت هذه الاتفاقية مصدر خلاف إقليمي حاد، لكونها تتجاوز، بحسب خصومها، حدود الجرف القاري لدول أخرى مطلة على المتوسط وعلى رأسها مصر واليونان.

وأشارت الجزيرة إلى أن مصادقة برلمان شرق ليبيا على الاتفاق بعد سنوات من الجمود تمثل تحولاً رسمياً يرسخ المكاسب التركية في المنطقة، ويضع القاهرة أمام خيارات صعبة للرد دبلوماسياً وقانونياً على هذا التطور، خصوصاً أن مصر كانت قد اعتبرت الاتفاقية الأصلية باطلة وغير قانونية منذ توقيعها، لتعارضها مع حقوقها السيادية في مناطقها البحرية الغنية بموارد الغاز الطبيعي.

وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية خاصة في ضوء الاكتشافات الكبيرة للغاز الطبيعي في شرق المتوسط خلال العقد الأخير، والتي جعلت من ترسيم الحدود البحرية مسألة اقتصادية بقدر ما هي سياسية. فالمناطق المتنازع عليها قد تحتوي على احتياطيات مهمة من الغاز يمكن أن تغيّر موازين الإنتاج والتصدير في المنطقة، ما يفسر حدة الخلافات المستمرة بين الأطراف المعنية منذ سنوات.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

رغم أن هذا الاتفاق يتمحور حول ترسيم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا، إلا أن تداعياته قد تمتد بشكل غير مباشر إلى أسواق الطاقة الخليجية. فأي تصعيد دبلوماسي جديد بين مصر وتركيا بشأن الغاز في شرق المتوسط قد يزيد من حالة عدم اليقين الإقليمي المحيطة بإمدادات الغاز الطبيعي من هذه المنطقة، وهو ما قد ينعكس بدوره على توقعات أسعار الطاقة العالمية، بما فيها أسعار الغاز الطبيعي والنفط التي تتأثر عادةً بأي توترات جيوسياسية في مناطق الإنتاج والممرات البحرية المهمة.

كما أن دول الخليج، التي تُعد لاعباً رئيسياً في أسواق الطاقة العالمية، قد تراقب عن كثب أي تطورات في موازين القوى بشرق المتوسط، نظراً لتأثير ذلك على حصص الإنتاج والتصدير العالمية للغاز، وما قد يترتب عليه من تغيرات في تدفقات الاستثمار نحو مشاريع الطاقة البديلة في المنطقة. ومن المرجح أن تبقى أسواق النفط والغاز الخليجية، وعملات دول مجلس التعاون المرتبطة بالدولار الأميركي، بمنأى نسبي عن التأثير المباشر لهذا التطور، لكن أي تصعيد أوسع في شرق المتوسط قد يضاف إلى عوامل المخاطرة الجيوسياسية التي تؤثر عادةً على معنويات المستثمرين في أسواق الطاقة بشكل عام، بما في ذلك بورصات الخليج التي تضم شركات كبرى في قطاع الطاقة والبتروكيماويات.

وفي ظل غياب تفاصيل اقتصادية دقيقة حول حجم الاحتياطيات المتنازع عليها، يبقى من الصعب تحديد الأثر الكمي المباشر لهذا الاتفاق على أسواق الطاقة الخليجية في المدى القريب، إلا أن المتابعين لهذا الملف يرون أنه يستحق المراقبة ضمن سياق أوسع من التنافس الإقليمي على موارد الطاقة في شرق المتوسط.