في تطور لافت يعكس تعقيدات الملاحة البحرية في منطقة البحر الأحمر، ذكر موقع "أويل برايس" (OilPrice) أن ناقلة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال القطري تتجه حالياً شمالاً عبر البحر الأحمر، في طريقها إلى أوروبا عبر قناة السويس، في ما وُصف بأنه رحلة نادرة على أقصر طريق بحري مؤدٍ إلى أوروبا، لكنه في الوقت ذاته من أخطر الطرق في ظل التهديدات المستمرة التي يشنها الحوثيون على ناقلات النفط والغاز في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ونقل الموقع عن وكالة بلومبرغ، في تقرير نُشر يوم الاثنين استناداً إلى بيانات تتبع السفن التي جمعتها الوكالة، أن الناقلة قامت بتحميل شحنتها من الغاز الطبيعي المسال في قطر خلال شهر أغسطس الماضي، وهي الآن في طريقها شمالاً عبر البحر الأحمر، فيما تُعد بولندا الوجهة النهائية لهذه الشحنة.

وبحسب ما أورده "أويل برايس"، فإن شركة قطر للطاقة (QatarEnergy) ترتبط بعقد طويل الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال مع مجموعة الطاقة البولندية "أورلين" (Orlen)، إضافة إلى عقود مماثلة مع جهات أخرى، وهو ما يفسر اختيار بولندا كوجهة لهذه الشحنة تحديداً.

وتكتسب هذه الرحلة أهمية خاصة كونها تمثل استثناءً عن النمط السائد الذي تبنّته شركات الشحن العالمية منذ تصاعد هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، حيث لجأت غالبية الناقلات، بما فيها تلك المحمّلة بالغاز والنفط، إلى تفادي المرور عبر قناة السويس وباب المندب، واختارت بدلاً من ذلك الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، رغم أن هذا المسار يزيد من مدة الرحلة وتكلفتها بشكل ملحوظ مقارنة بالطريق المختصر عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

ويُظهر إقدام هذه الناقلة القطرية على سلوك الطريق الأقصر رغم المخاطر الأمنية القائمة، أن بعض الشحنات الاستراتيجية، وخصوصاً تلك المرتبطة بعقود توريد طويلة الأجل كالعقد القائم بين قطر للطاقة وأورلين، قد تظل بحاجة إلى المرونة في اختيار المسارات بما يوازن بين عامل الوقت وعامل الأمان، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المحيطة بالملاحة في هذا الممر البحري الحيوي.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

يُعد هذا التطور، رغم طابعه التشغيلي الظاهري، مؤشراً قد يحمل دلالات أوسع لصادرات الطاقة الخليجية، وتحديداً لقطر بوصفها أحد أكبر مصدّري الغاز الطبيعي المسال عالمياً. فاستمرار التوترات الأمنية في البحر الأحمر يضع ضغوطاً إضافية على سلاسل الإمداد وتكاليف الشحن، وهو عامل قد ينعكس، إن استمر أو تصاعد، على هوامش ربحية شركات الطاقة الخليجية المصدّرة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية على حد سواء.

ومن المرجح أن تراقب الأسواق الخليجية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة المدرج في بورصات الدوحة والرياض وأبوظبي، أي تطورات أمنية إضافية في هذا الممر البحري، نظراً لتأثيرها المحتمل على تكاليف التأمين البحري ومدد التسليم، وهو ما قد ينعكس بدوره على تسعير عقود الغاز طويلة الأجل مستقبلاً. كما أن أي تصعيد أمني قد يدفع بعض الشركات العالمية إلى إعادة النظر في مسارات الشحن المعتادة، وهو ما قد يزيد الطلب على ناقلات الغاز ويؤثر بشكل غير مباشر على معدلات الإيجار في سوق الشحن البحري الذي تعتمد عليه دول الخليج بشكل كبير في تصدير مواردها من الطاقة.

وفي المقابل، لا تزال العملات الخليجية، المرتبطة في معظمها بالدولار الأمريكي، بمنأى عن أي تأثير مباشر لهذا النوع من الأحداث التشغيلية، إذ يبقى تأثيرها الأكبر محصوراً في قطاعي الطاقة والشحن البحري دون أن يمتد بالضرورة إلى الاستقرار النقدي العام في المنطقة.