في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها خريطة التحالفات في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تسلط تقارير صحفية الضوء على تحرك إسرائيلي دؤوب نحو تعزيز نفوذه في الفضاء الجيوسياسي المحيط بإيران، وذلك عقب ما وُصف بخسارة طهران لحليف إستراتيجي مهم. وبحسب ما ذكرته شبكة الجزيرة، فإن إسرائيل أعادت إحياء ما يُعرف بـ'مقاربة الطوق' لكن بصيغة جديدة هذه المرة، متجهة نحو دول نشأت من رحم الاتحاد السوفياتي السابق، وفي مقدمتها أذربيجان التي باتت تُوصف بأنها 'دُرة تاج' هذه التحالفات الناشئة.

تكمن أهمية أذربيجان، بحسب التقرير ذاته، في موقعها الجغرافي الحساس على الحدود الشمالية لإيران، إضافة إلى علاقاتها التاريخية المعقدة مع طهران، وهو ما يجعلها نقطة ارتكاز مثالية لأي إستراتيجية تهدف إلى محاصرة النفوذ الإيراني أو مراقبته عن قرب. وتشير الجزيرة إلى أن هذا التوجه الإسرائيلي يأتي في سياق أوسع من إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، في وقت تبحث فيه تل أبيب عن بدائل جيوسياسية تعوّض بها أي تراجع في موازين القوى التقليدية التي كانت تحكم علاقاتها مع محيطها.

ويرى محللون أن مثل هذه التحركات، وإن كانت ذات طابع سياسي وأمني بالدرجة الأولى، إلا أنها تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية غير مباشرة، خصوصاً فيما يتعلق بممرات الطاقة والتجارة التي تمر عبر منطقة القوقاز وبحر قزوين. فأذربيجان، بما تملكه من احتياطيات نفطية وغازية وموقعها كمحطة عبور لخطوط الطاقة نحو أوروبا، تحظى باهتمام متزايد من لاعبين إقليميين ودوليين يسعون لتنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على ممرات أخرى تشهد توترات متكررة.

وتضيف الجزيرة أن هذا التحول في التحالفات ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمقاربة طويلة الأمد تبنتها إسرائيل منذ عقود، قامت على مبدأ 'تحالف الأطراف' أو محاصرة الخصوم عبر بناء علاقات مع دول تقع على أطراف دائرة النفوذ المعادي، وهي الإستراتيجية التي يُعاد تفعيلها اليوم في ضوء المتغيرات الأخيرة التي أضعفت موقع إيران الإقليمي.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

رغم أن هذا الملف سياسي وأمني بطبيعته، فإن أي إعادة تموضع جيوسياسي في محيط إيران قد تترك بصمات غير مباشرة على أسواق الخليج، خصوصاً في ملفي الطاقة والمخاطر الجيوسياسية. فتصاعد التوترات أو تغيّر موازين النفوذ حول إيران عادةً ما ينعكس على تسعير عقود النفط الآجلة مثل خام برنت، نظراً لحساسية الأسواق لأي إشارات قد تمسّ استقرار منطقة الخليج أو ممرات الطاقة المجاورة. كما أن المستثمرين في بورصات الخليج، مثل تداول السعودية أو سوق دبي المالي، قد يراقبون عن كثب أي تصعيد محتمل، إذ يميل المستثمرون عادة إلى توخي الحذر وزيادة علاوة المخاطر عند بروز تحالفات جديدة قرب الحدود الإيرانية. ومن المرجح أيضاً أن تبقى عملات دول مجلس التعاون الخليجي، المرتبطة بالدولار الأمريكي، بمنأى نسبياً عن أي تقلبات مباشرة بحكم نظام الربط الثابت، لكن تكلفة التأمين على الشحن النفطي والتجاري عبر المنطقة قد تتأثر إذا تصاعدت حدة المواجهة غير المباشرة بين الأطراف المعنية. في المقابل، قد يرى بعض المحللين في تنويع إسرائيل لتحالفاتها بعيداً عن الساحة الخليجية المباشرة عاملاً يخفف بعض الضغط الجيوسياسي المباشر عن دول الخليج، فيما يبقى المشهد في طور التبلور ويستدعي متابعة حذرة لتطوراته.