كشفت بيانات رصدها معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة التابع لجامعة براون الأمريكية أن المستهلكين في الولايات المتحدة أنفقوا أكثر من 100 مليار دولار إضافية على الديزل وبنزين السيارات منذ اندلاع الحرب المرتبطة بإيران، في مؤشر لافت على حجم الأثر الاقتصادي المباشر الذي تحمّله الأسرة الأمريكية العادية نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
ووفقاً لما نقلته قناة الجزيرة عن هذه البيانات، فإن هذا المبلغ الإضافي يعكس الفارق بين ما كان المستهلكون سيدفعونه لو استمرت أسعار الوقود عند مستوياتها السابقة، وما دفعوه فعلياً بعد أن قفزت الأسعار عالمياً على خلفية المخاوف من تعطل تدفقات النفط والغاز من منطقة الخليج ومضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم ممرات نقل النفط في العالم.
ويُنظر إلى هذا الرقم على أنه دليل إضافي على أن الأسواق العالمية للطاقة لا تزال حساسة للغاية لأي توتر عسكري أو سياسي يتعلق بإيران، حتى لو لم يترجم فعلياً إلى انقطاع مادي في الإمدادات. فبمجرد تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يتجه المتداولون في أسواق النفط والمشتقات إلى تسعير "علاوة خطر" إضافية تنعكس سريعاً على محطات الوقود في الولايات المتحدة وغيرها من الدول المستوردة للطاقة.
ويُذكر أن الوقود يمثل بنداً حساساً في موازنة الأسرة الأمريكية، إذ يؤثر ارتفاعه بشكل مباشر على تكلفة التنقل والنقل التجاري، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم العام في الاقتصاد الأمريكي، ويضع ضغوطاً إضافية على صناع القرار النقدي في واشنطن الذين يراقبون عن كثب أي مؤشرات على ارتفاع كلفة المعيشة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
من المرجح أن يكون لهذا النوع من الصدمات في أسعار الطاقة انعكاسات متباينة على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي. فمن جهة، تستفيد الدول المصدّرة للنفط والغاز في الخليج، مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت، من ارتفاع الأسعار العالمية للخام على المدى القصير، إذ يعني ذلك عائدات أعلى للموازنات العامة المرتبطة تقليدياً بأسعار النفط.
إلا أن هذا الأثر الإيجابي قد يكون مصحوباً بمخاطر موازية، خصوصاً إذا كان مصدر ارتفاع الأسعار توتراً جيوسياسياً يمس منطقة الخليج نفسها أو ممرات نقل الطاقة فيها كمضيق هرمز، وهو ما قد يرفع أيضاً تكلفة التأمين على الشحن والنقل البحري، ويزيد من تقلب الأسواق المالية الإقليمية بما فيها بورصة تداول السعودية وأسواق دبي وأبوظبي.
كذلك، وبحكم ارتباط عملات معظم دول الخليج بالدولار الأمريكي، فإن أي ضغوط تضخمية إضافية في الاقتصاد الأمريكي ناتجة عن ارتفاع فاتورة الوقود قد تنعكس، بشكل غير مباشر، على قرارات بنك الاحتياطي الفدرالي بشأن أسعار الفائدة، وهو ما تتبعه البنوك المركزية الخليجية عادةً في تحديد كلفة الاقتراض المحلية. وبالتالي، فإن أي تصعيد جديد مرتبط بإيران قد يجعل أسواق الخليج مطالبة بمتابعة مزدوجة: من جهة الفرص المرتبطة بارتفاع عائدات النفط، ومن جهة أخرى المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية وتكلفة التمويل.
وتبقى هذه القراءات تحليلية وتقديرية، وتخضع لتطورات الموقف الجيوسياسي في المنطقة ومدى استمرار أو تهدئة التوترات المرتبطة بإيران خلال الفترة المقبلة.





