تشير دراسات حديثة إلى أن الجيل الجديد من قادة مكاتب العائلات الثرية بدأ يعيد رسم ملامح إدارة الثروات العائلية، بعيداً عن النهج المحافظ الذي اعتمده الآباء والأجداد لعقود. وبحسب ما ذكرته شبكة CNBC، فإن هذا الجيل أكثر ميلاً لاستخدام الدين كأداة تمويل، والتوسع في الاستثمارات البديلة، فضلاً عن تبني أولويات مختلفة في مجال العمل الخيري مقارنة بمن سبقهم في قيادة هذه المكاتب.
وتُعد مكاتب العائلات (Family Offices) من أدوات إدارة الثروات الأكثر خصوصية في العالم، إذ تُنشأ عادة لخدمة عائلة واحدة أو مجموعة محدودة من العائلات الثرية، وتضطلع بإدارة الاستثمارات والتخطيط الضريبي والتعاقب الأسري والأنشطة الخيرية. ومع انتقال مقاليد القيادة في هذه المكاتب تدريجياً من الأجيال المؤسسة إلى أبنائهم وأحفادهم، تبرز تحولات واضحة في فلسفة الاستثمار ذاتها.
فبينما اعتاد الجيل الأول من مديري مكاتب العائلات على الحذر الشديد في استخدام الروافع المالية، تفضيلاً للسيولة والحفاظ على رأس المال، يبدو أن الجيل الجديد أكثر انفتاحاً على الاستدانة كوسيلة لتعظيم العوائد وتنويع مصادر التمويل. كما يُظهر هذا الجيل شهية أكبر تجاه الأصول البديلة، وهي فئة تشمل عادة الأسهم الخاصة والعقارات غير المدرجة وصناديق التحوط ورأس المال الجريء، باعتبارها وسيلة لتحقيق تنويع أوسع بعيداً عن الأسواق التقليدية من الأسهم والسندات المتداولة علناً.
ولا يقتصر التحول على الجانب الاستثماري وحده، إذ تشير التقارير ذاتها، بحسب CNBC، إلى أن أولويات العمل الخيري أيضاً بدأت تتغير مع صعود القادة الجدد، في ظل اختلاف اهتماماتهم الاجتماعية والبيئية عن أجيال سابقة ربما ركزت على قضايا مختلفة.
هذا التحول الجيلي في إدارة الثروات العائلية ليس ظاهرة معزولة، بل يتسق مع اتجاه عالمي أوسع نحو زيادة تخصيص الأصول للاستثمارات غير السائلة، في وقت تسعى فيه العائلات الثرية حول العالم إلى تحقيق عوائد أعلى في بيئة أسواق تتسم بتقلبات متكررة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
يحمل هذا التحول دلالات محتملة لمنطقة الخليج، التي تستضيف عدداً متزايداً من مكاتب العائلات الإقليمية والدولية، خصوصاً في مراكز مالية مثل دبي وأبوظبي والرياض التي تسعى لجذب هذا النوع من رؤوس الأموال. فإذا تكرر النمط ذاته في الخليج، فقد يعني ذلك مزيداً من تدفقات رأس المال نحو الأصول البديلة المحلية، مثل العقارات والأسهم الخاصة والمشاريع الناشئة، بدلاً من الاكتفاء بالاستثمار التقليدي في السندات السيادية أو الأسهم المدرجة في أسواق مثل تداول السعودية أو سوق دبي المالي.
كما أن ميل الجيل الجديد لاستخدام الدين بشكل أكبر قد يرفع الطلب على منتجات التمويل المهيكل والائتمان الخاص في المنطقة، وهو قطاع بدأ يشهد بالفعل اهتماماً متنامياً من المؤسسات المالية الخليجية. ومع ذلك، يبقى من المرجح أن تظل وتيرة هذا التحول تدريجية، إذ تحتفظ كثير من العائلات الخليجية الكبرى بثقافة استثمارية محافظة نسبياً، ترتبط بعلاقات طويلة الأمد مع المصارف المحلية وأدوات الدخل الثابت. وفي ظل ارتباط عملات دول مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأمريكي، فإن أي تحول عالمي في سلوك الاستثمار العائلي، بما في ذلك زيادة الاستدانة، قد ينعكس أيضاً على تكلفة الاقتراض المحلية بصورة غير مباشرة، تبعاً لمسار أسعار الفائدة الأمريكية.
وفي النهاية، يبقى هذا التحول الجيلي مؤشراً يستحق المتابعة من قبل المستثمرين والمؤسسات المالية في المنطقة، باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لخريطة إدارة الثروات العالمية خلال السنوات المقبلة.




