سجّل الدولار الأمريكي قفزة ملحوظة في تعاملات الأسواق العالمية بعد أن أعلن مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة، مع إشارات واضحة من المسؤولين في البنك المركزي الأمريكي إلى أن دورة التشديد النقدي لم تنتهِ بعد وأن مزيداً من الرفعات قد يكون في الطريق. وبحسب ما ذكره موقع ياهو فاينانس في تقرير له، فقد جاء هذا القرار في إطار سياسة الفيدرالي المستمرة لمواجهة الضغوط التضخمية التي لا تزال تشكل تحدياً رئيسياً للاقتصاد الأمريكي.
ويرى محللون أن تصريحات الفيدرالي المصاحبة للقرار كانت الأكثر تأثيراً على تحركات السوق، إذ أن الإشارة إلى استمرار مسار رفع الفوائد عزز التوقعات بأن تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأمريكي ستبقى مرتفعة لفترة أطول من المتوقع سابقاً. وهذا النوع من التصريحات يدفع المستثمرين عادة إلى إعادة تسعير الأصول المقوّمة بالدولار، وهو ما انعكس في صعود العملة الأمريكية مقابل نظيراتها الرئيسية بعد صدور القرار مباشرة، وفقاً لما نقله موقع ياهو فاينانس.
ويأتي هذا التحرك في وقت يترقب فيه المتعاملون في الأسواق المالية العالمية أي مؤشرات إضافية من الفيدرالي حول مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل الجدل المستمر حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على استيعاب المزيد من رفع الفوائد دون التأثير سلباً على النمو. فالفيدرالي يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين احتواء التضخم من جهة، وتجنّب دفع الاقتصاد نحو الركود من جهة أخرى، وهو تحدٍ يعكسه تذبذب الأسواق مع كل بيان صادر عن البنك المركزي الأمريكي.
قوة الدولار الناتجة عن هذا القرار تحمل تداعيات تتجاوز حدود الأسواق الأمريكية، فارتفاع العملة الأمريكية يزيد من كلفة الاستيراد على الدول التي تستورد بالدولار، ويضع ضغوطاً على العملات الناشئة والدول التي تعاني من عجوزات خارجية، فضلاً عن تأثيره المباشر على أسواق السلع المقوّمة بالدولار كالنفط والمعادن.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن أي قرار من الفيدرالي برفع أسعار الفائدة ينعكس بشكل مباشر تقريباً على السياسة النقدية في دول المنطقة، نظراً لارتباط عملات معظم دول الخليج بالدولار الأمريكي بشكل ثابت أو شبه ثابت. وعادةً ما تضطر البنوك المركزية الخليجية، وعلى رأسها مؤسسة النقد السعودي ومصرف الإمارات المركزي، إلى محاكاة قرارات الفيدرالي حفاظاً على استقرار سعر الصرف، وهو ما قد يعني استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض على الأفراد والشركات في المنطقة.
كما أن قوة الدولار المستمرة قد تجعل الاستثمار في الأصول الخليجية، وخاصة في بورصة تداول السعودية وسوق دبي المالي وسوق أبوظبي، أكثر تعقيداً بالنسبة للمستثمرين الأجانب الباحثين عن عوائد مرتفعة في مناطق أخرى مرتبطة بعملات غير مربوطة بالدولار. ومن المرجح أن تراقب الأسواق الخليجية عن كثب أي تصريحات إضافية من الفيدرالي بشأن مسار الفوائد المستقبلي، إذ أن استمرار التشديد النقدي الأمريكي قد يبقي كلفة تمويل المشاريع الكبرى في المنطقة، بما فيها مشاريع التنويع الاقتصادي، مرتفعة نسبياً لفترة أطول.
في المقابل، قد يجد بعض المستثمرين في دول الخليج في قوة الدولار عاملاً داعماً نسبياً لاستقرار عملاتهم المرتبطة به، مقارنة بدول أخرى تشهد تقلبات حادة في عملاتها المحلية نتيجة تباعد سياساتها النقدية عن سياسة الفيدرالي. وتبقى الأسواق الخليجية، بحكم اعتمادها الكبير على عائدات النفط المقوّمة بالدولار، حساسة بشكل خاص لأي تحركات كبرى في قيمة العملة الأمريكية خلال الفترة المقبلة.





