أفادت صحيفة فايننشال تايمز، في تقرير نقلته منصة كوين تيليغراف، بأن المملكة العربية السعودية قررت الانسحاب من مشروع "مبريدج" (mBridge)، وهو منصة عابرة للحدود للعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) تحظى بدعم صيني، وذلك في خطوة تأتي بعد أن جذب المشروع اهتماماً متزايداً وتدقيقاً من صناع السياسات في الولايات المتحدة.
ويُعد مشروع mBridge واحداً من المبادرات البارزة على مستوى العالم التي تهدف إلى تطوير بنية تحتية رقمية تسمح للبنوك المركزية بتسوية المدفوعات عبر الحدود مباشرة باستخدام عملات رقمية سيادية، بديلاً عن الأنظمة التقليدية التي تمر عبر شبكات مصرفية دولية مرتبطة بالدولار الأمريكي بشكل كبير. وقد كان هذا الطابع بالذات هو ما دفع مشرّعين ومسؤولين أمريكيين إلى التعبير عن قلقهم من أن مثل هذه المنصات قد تفتح الباب أمام دول لتجاوز الأدوات المالية الأمريكية التقليدية، بما في ذلك آليات الرقابة والعقوبات المرتبطة بالنظام الدولاري.
ولم يصدر تعليق رسمي مفصل من الجهات السعودية بشأن أسباب الانسحاب بحسب ما ورد في التقرير، إلا أن التوقيت يأتي في ظل تصاعد النقاش العالمي حول مستقبل العملات الرقمية للبنوك المركزية ودورها المحتمل في إعادة تشكيل النظام المالي الدولي، وهو نقاش تتقاطع فيه الاعتبارات التقنية مع اعتبارات جيوسياسية بالغة الحساسية، خصوصاً بالنسبة لدولة مثل السعودية التي تحتفظ بعلاقات اقتصادية وأمنية عميقة مع واشنطن.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تحرص فيه الرياض على تنويع شراكاتها الاقتصادية والتقنية مع القوى الكبرى، بما فيها الصين، دون الإضرار بعلاقتها التاريخية مع الولايات المتحدة، وهو توازن دقيق يبدو أن قرار الخروج من مشروع مبريدج قد يعكس محاولة للحفاظ عليه، بحسب ما يستشف من سياق التقرير الذي نشرته فايننشال تايمز.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
من المرجح أن يُقرأ انسحاب السعودية من مشروع mBridge في الأسواق الخليجية كإشارة على حرص الرياض على عدم الدخول في مسارات مالية قد تثير حساسية واشنطن، في وقت تعتمد فيه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل أساسي على ربط عملاتها بالدولار الأمريكي، وهو الترتيب الذي يشكل حجر الزاوية في استقرار السياسات النقدية والمصرفية في المنطقة منذ عقود. وأي مشروع عملة رقمية عابرة للحدود قد يُنظر إليه، من زاوية المستثمرين والمتعاملين في الأسواق الخليجية، على أنه يحمل مخاطر محتملة تتعلق بالعلاقة مع النظام المالي الأمريكي إذا لم يُدار بحذر شديد.
كما قد يعزز هذا التطور، بحسب قراءة أولية لمسار الأحداث، نهج الحذر الذي تتبناه دول الخليج عموماً عند التعامل مع أي تقنيات مالية ناشئة ذات طابع سيادي، حيث تفضل غالباً المضي بخطى متدرجة ومدروسة بدلاً من الانخراط الكامل في مشاريع قد تُفسَّر على أنها تحدٍ للبنية المالية الدولارية القائمة. وقد ينعكس هذا الحذر أيضاً على وتيرة تجارب العملات الرقمية للبنوك المركزية التي تجريها بعض الجهات النقدية في المنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تجميد الاهتمام الخليجي الأوسع بتقنيات الدفع الرقمية وتحديث البنية المالية.
وعلى صعيد تكلفة الاقتراض وأسواق المال في الخليج، من غير المتوقع أن يُحدث هذا الانسحاب أثراً مباشراً وفورياً، لكن المتابعين للسياسات النقدية الإقليمية قد يرون فيه مؤشراً إضافياً على استمرار الأولوية التي تمنحها دول المجلس للاستقرار المرتبط بالدولار على أي بدائل تقنية ناشئة، في انتظار مزيد من الوضوح حول موقف واشنطن النهائي من هذه المنصات العابرة للحدود.





