قفزت أسعار الغاز الطبيعي في السوق الأوروبية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023، وذلك في ظل مخاوف متصاعدة من أن اتساع نطاق الحرب المرتبطة بإيران قد يهدد إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) المتجهة إلى القارة العجوز، وفق ما ذكرته وكالة Investing.com.

وبحسب التقرير الذي نشرته الوكالة، فإن المتداولين في أسواق الطاقة الأوروبية باتوا يسعّرون احتمالات أكبر لاضطراب في حركة ناقلات الغاز المسال، خصوصاً تلك العابرة للممرات المائية الحيوية القريبة من مسرح النزاع، بعد أن كانت هذه الإمدادات تُعد أحد الأعمدة التي عوّضت أوروبا عن تراجع اعتمادها على الغاز الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

ويأتي هذا الارتفاع في الأسعار في وقت حساس بالنسبة لأوروبا، التي تعتمد بشكل متزايد على واردات الغاز المسال من مناطق الخليج وأمريكا الشمالية لتعويض الفجوة التي تركها انقطاع أو تراجع صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب. وأي تهديد جدي لخطوط إمداد الغاز المسال، سواء عبر التأخير في الشحنات أو ارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات، ينعكس مباشرة على أسعار العقود الآجلة في أوروبا، كما أظهرت حركة الأسعار الأخيرة التي أشارت إليها Investing.com.

ويُنظر إلى توسع الحرب المرتبطة بإيران كعامل خطر إضافي على استقرار أسواق الطاقة العالمية، نظراً لموقع إيران الجغرافي المحاذي لممرات ملاحية تُعد شرايين أساسية لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية. وأي تصعيد عسكري أو أمني في هذه المنطقة يضع أسواق الطاقة في حالة تأهب قصوى، إذ يخشى المتعاملون من تكرار سيناريوهات سابقة شهدت فيها أسواق الغاز والنفط تقلبات حادة نتيجة مخاوف جيوسياسية مماثلة.

ولم يوضح المصدر تفاصيل رقمية دقيقة حول مستويات الأسعار الجديدة، لكن الإشارة إلى أنها "أعلى مستويات منذ 2023" تعكس حجم القلق السائد في الأسواق من احتمال تكرار أزمة إمدادات شبيهة بتلك التي شهدتها أوروبا في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، حين اضطرت دول القارة إلى البحث عن مصادر بديلة للغاز بأسعار مرتفعة نسبياً.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

قد ينعكس هذا التصعيد في أسواق الطاقة العالمية على دول الخليج من زوايا متعددة. فمن جهة، يُتوقع أن تستفيد الدول المصدّرة للغاز المسال في المنطقة، وعلى رأسها قطر، من ارتفاع الأسعار العالمية إذا استمر الطلب الأوروبي على الغاز المسال قوياً وسط تراجع الثقة في استقرار الإمدادات من مناطق أخرى. ومن جهة أخرى، فإن أي توتر أمني يمس ممرات الشحن في محيط الخليج، مثل مضيق هرمز، قد يزيد من تكاليف الشحن والتأمين على الناقلات المحمّلة بالنفط والغاز المنطلقة من موانئ المنطقة، وهو ما قد يؤثر بشكل غير مباشر على عوائد الصادرات الخليجية.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً عادةً ما ينعكس بشكل إيجابي على الموازنات العامة لدول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد إيراداتها بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز، ما قد يدعم بشكل نسبي أداء الأسواق المالية الخليجية المرتبطة بقطاع الطاقة، مثل أسهم شركات النفط والغاز المدرجة في بورصات الرياض وأبوظبي والدوحة. وبما أن عملات دول الخليج مرتبطة بالدولار الأمريكي، فإن أي تقلبات في أسعار الطاقة العالمية قد تنعكس أيضاً على تدفقات رؤوس الأموال وتكلفة الاقتراض في المنطقة، خصوصاً إذا ترافق التصعيد الجيوسياسي مع تغيرات في توقعات السياسة النقدية الأمريكية.

ومع ذلك، يبقى من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث بدقة، إذ إن استمرار التصعيد أو تراجعه سيحدد إلى حد كبير ما إذا كانت هذه المكاسب المحتملة للمصدرين الخليجيين ستستمر أم ستتبدد سريعاً في حال عودة الهدوء إلى المنطقة.