في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الخليج على خلفية الحرب الإيرانية وما رافقها من مخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، تبرز أسئلة جوهرية حول مستقبل صناعة البتروكيماويات في الشرق الأوسط، التي تُعد من أكثر الصناعات حساسية لاستقرار طرق الشحن البحرية في المنطقة.
وبحسب ما ذكره موقع "أويل برايس" (OilPrice) المتخصص في أسواق الطاقة، فإن صناعة الكيماويات منخفضة التكلفة في الشرق الأوسط من المرجح أن تحافظ على ميزتها التنافسية طويلة الأمد مقارنة بمناطق الإنتاج الأخرى حول العالم، رغم الضغوط الآنية الناجمة عن أزمة مضيق هرمز.
وأشار الموقع إلى أن هناك تحولات قصيرة الأجل تشهدها مصادر توريد البوليمرات حالياً، نتيجة القيود التي تواجهها القاعدة الصناعية في منطقة الخليج الفارسي جراء التوترات الأمنية، وهو ما يصب في مصلحة شركات الكيماويات الأمريكية التي بدأت تستحوذ على حصة أكبر من هذا السوق في المدى القريب، مستفيدة من حالة عدم اليقين المحيطة بسلاسل الإمداد الخليجية.
غير أن التقرير شدد على أن هذه التحولات تبقى، في جوهرها، مؤقتة ومرتبطة بالظرف الراهن. فعلى المدى الطويل، يرى "أويل برايس" أن منطقة الشرق الأوسط ستحتفظ على الأرجح بقاعدة عملائها العالمية، لأنها تمتلك عاملين أساسيين يصعب منافستهما: قاعدة إنتاجية واسعة النطاق، والأهم من ذلك، تكلفة إنتاج منخفضة نسبياً مقارنة بمنافسيها في أمريكا الشمالية وآسيا.
وتستمد دول الخليج هذه الميزة التنافسية من قربها المباشر من حقول الغاز والنفط الخام الذي يُستخدم كمادة خام أساسية (فيدستوك) في تصنيع البتروكيماويات والبوليمرات، وهو ما يمنح منتجي المنطقة هامشاً تكاليفياً يصعب على المنافسين الآخرين تعويضه، حتى في ظل الاضطرابات الجيوسياسية المؤقتة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
يُتوقع أن تراقب الأسواق الخليجية، وخاصة الشركات المدرجة في قطاع البتروكيماويات بالبورصات السعودية والقطرية والإماراتية، تطورات أزمة مضيق هرمز عن كثب، نظراً لارتباط أرباح هذا القطاع مباشرة باستقرار ممرات الشحن وتكاليف التأمين البحري. فأي تصعيد إضافي في التوترات قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين على الصادرات الخليجية من البوليمرات والمواد الكيماوية، ما قد يضغط مؤقتاً على هوامش الربحية لبعض الشركات الكبرى في هذا القطاع.
ومع ذلك، فإن استمرار الميزة التنافسية القائمة على التكلفة المنخفضة، كما أشار التقرير، قد يعني أن أي تأثير سلبي على الأسواق الخليجية سيبقى، في الغالب، قصير الأمد ومحدود النطاق، طالما لم يُغلق مضيق هرمز فعلياً أو تتعطل حركة الناقلات بشكل كامل. كما أن ارتباط عملات دول مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأمريكي يجعل أي تحسن في موقف الشركات الأمريكية المنافسة أمراً يستحق المتابعة من قبل المستثمرين في قطاع الصناعات التحويلية الخليجي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعاً هيكلياً في مكانة الشرق الأوسط كمركز عالمي لإنتاج الكيماويات.
وبشكل عام، يبقى المشهد مرهوناً بمسار التصعيد أو التهدئة في الأزمة الإيرانية، إذ إن أي انفراج دبلوماسي قد يعيد الثقة بسرعة إلى سلاسل التوريد الخليجية ويقلص الفجوة التي استغلتها شركات أمريكية في الأشهر الأخيرة.





