عادت المخاوف من ارتفاع تكلفة الاقتراض العالمية إلى الواجهة من جديد، بعد أن ذكرت منصة "إنفستنغ دوت كوم" (Investing.com) أن عمليات بيع مكثفة ضربت سوق السندات الأمريكية، ودفعت عائد السند المرجعي إلى ما يتجاوز مستوى 5%. وبحسب ما نقلته المنصة، فإن هذا التطور جاء مصحوباً باضطراب واضح في الأسواق الأمريكية للأسهم، التي تفاعلت سلباً مع صعود العائد على السندات.
ويُعد تجاوز عائد السندات الأمريكية القياسية مستوى 5% نقطة تحول نفسية ومالية في آنٍ واحد بالنسبة للمستثمرين حول العالم، إذ يعني ذلك أن الحكومة الأمريكية، وهي المُقترض الأكثر أماناً في الأسواق العالمية نظرياً، تدفع الآن عائداً أعلى لجذب المستثمرين إلى دينها. وهذا بدوره يرفع سقف المقارنة أمام أي استثمار آخر أكثر خطورة، سواء كان في الأسهم أو السندات الشركاتية أو الأصول الناشئة، لأن المستثمرين يطالبون بعوائد أعلى تعويضاً عن المخاطر الإضافية التي يتحملونها مقارنة بسند حكومي "خالٍ من الخطر" يقدم عائداً مرتفعاً بهذا الشكل.
ووفقاً لما أوردته Investing.com، فإن حركة البيع في سوق السندات هي التي قادت هذا الصعود في العائد، وهو ما يعكس تحولاً في مزاج المستثمرين تجاه الدين الأمريكي طويل الأجل. وعندما تنخفض أسعار السندات ترتفع عوائدها تلقائياً بحكم العلاقة العكسية بين الاثنين، وهذا ما حدث بحسب التقرير، إذ أدت موجة البيع إلى دفع العائد فوق الحاجز النفسي المهم عند 5%.
وانعكس هذا الاضطراب في سوق الدين مباشرة على أداء الأسهم الأمريكية، التي وُصفت بأنها "مهزوزة" أو "مرتجّة" (rattled) نتيجة لهذا التطور، وفقاً لتعبير المصدر ذاته. وتاريخياً، ترتبط فترات الارتفاع الحاد في عوائد السندات الحكومية بضغوط على تقييمات الأسهم، خصوصاً في القطاعات ذات النمو المرتفع التي تعتمد تقييماتها على توقعات أرباح مستقبلية بعيدة، لأن ارتفاع معدل الخصم يقلص القيمة الحالية لتلك الأرباح المتوقعة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
قد ينتقل تأثير هذا الصعود في عوائد السندات الأمريكية إلى أسواق الخليج عبر عدة قنوات مترابطة. فمعظم عملات دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها الريال السعودي والدرهم الإماراتي، مرتبطة بالدولار الأمريكي بشكل مباشر، وهذا يعني أن أي تغير في مسار الفائدة والعوائد الأمريكية يُترجم عادةً إلى تغير موازٍ في بيئة أسعار الفائدة المحلية في الخليج، بما قد يرفع كلفة الاقتراض على الشركات والأفراد في المنطقة.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية يجعل الاستثمار في الدين الأمريكي أكثر جاذبية نسبياً مقارنة بالأسهم في الأسواق الناشئة والخليجية، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين الدوليين إلى إعادة توزيع محافظهم بعيداً عن أسواق مثل تداول السعودية أو سوق دبي المالي وأبوظبي، بحثاً عن عوائد آمنة نسبياً في السندات الأمريكية. ومن المرجح أن تتفاعل أسواق الأسهم الخليجية مع هذه التطورات بحذر أكبر في الجلسات المقبلة، خصوصاً في القطاعات الحساسة لتكلفة التمويل مثل العقارات والبنوك، دون أن يعني ذلك بالضرورة اتجاهاً حاداً أو فورياً، بل تفاعلاً تدريجياً يرتبط بمدى استمرار هذا الضغط في سوق السندات الأمريكية من عدمه.





