في الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، سادت أسواق النفط حالة من التفاؤل مفادها أن الصراع على وشك الانتهاء في أي لحظة. وبحسب ما ذكرته منصة أويل برايس المتخصصة في أسواق الطاقة، فإن وقف إطلاق النار القصير الذي شهده شهر يونيو عزز ذلك التفاؤل، غير أن الأسواق احتاجت إلى وقت إضافي لتستوعب حقيقة جديدة: أن الحرب لن تنتهي قريباً، بل قد تمتد إلى العام المقبل، وهو ما يعني بقاء أسعار النفط مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً.
وتعكس أسعار العقود الآجلة هذا التحول في التوقعات بوضوح. فبحسب بيانات بورصة إنتركونتيننتال إكستشينج (ICE) التي أوردتها أويل برايس، يتداول عقد خام برنت الآجل لتسليم يناير 2027 عند مستوى 102.59 دولار للبرميل، في حين يتداول عقد يونيو 2027 عند مستوى أدنى قليلاً بلغ 92.71 دولار للبرميل. هذا الفارق بين العقود المختلفة يعكس حالة من عدم اليقين حول مسار الصراع ومدته، لكنه في الوقت ذاته يؤشر إلى أن المتعاملين في الأسواق باتوا يسعّرون احتمال استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج لفترة أطول بكثير مما كان متصوَّراً عند اندلاع المواجهة.
وتشير أويل برايس إلى أن التحول في نظرة الأسواق لم يحدث بين عشية وضحاها، بل جاء تدريجياً بعدما تبين أن وقف إطلاق النار في يونيو لم يكن سوى هدنة مؤقتة لم تفضِ إلى تسوية دائمة للنزاع. هذا النمط من التهدئة المؤقتة المتبوعة بعودة التوتر هو ما يجعل المتعاملين في أسواق النفط أكثر حذراً عند تسعير العقود البعيدة الأجل، إذ يضطرون إلى إدراج علاوة مخاطر جيوسياسية تمتد لأكثر من عام قادم.
وتظل منطقة الخليج والشرق الأوسط عموماً مسرحاً رئيسياً لأي تصعيد محتمل، نظراً لموقعها الجغرافي الحيوي بالنسبة لإمدادات الطاقة العالمية وممرات الشحن البحري، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يُعد من أهم الممرات التي تمر عبرها شحنات النفط الخام عالمياً. وأي تهديد فعلي أو محتمل لحركة الملاحة في هذا الممر عادة ما ينعكس مباشرة على هيكل عقود النفط الآجلة، كما يتضح من فجوة الأسعار بين عقدي يناير ويونيو 2027.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
بقاء توقعات أسعار النفط مرتفعة حتى عام 2027، كما تعكسه عقود برنت الآجلة، قد يصب في مصلحة الإيرادات النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي على المدى المتوسط، خصوصاً أن معظم هذه الاقتصادات لا تزال تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز في تمويل موازناتها العامة ومشاريع التنويع الاقتصادي. غير أن استمرار التوتر الجيوسياحي في محيط الخليج، وتحديداً قرب مضيق هرمز، يحمل في طياته مخاطر مزدوجة: فمن جهة قد يدعم الأسعار لصالح الدول المصدرة، ومن جهة أخرى قد يرفع علاوة المخاطر على الأصول الإقليمية ويزيد من تقلبات بورصة تداول السعودية وأسواق الأسهم الخليجية الأخرى المرتبطة بأداء قطاع الطاقة.
كما أن ارتفاع أسعار النفط لفترة ممتدة قد يُبقي الضغوط التضخمية العالمية مرتفعة نسبياً، وهو ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على سياسات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، وبالتبعية على تكلفة الاقتراض في دول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار الأمريكي مثل الريال السعودي والدرهم الإماراتي. وفي المقابل، يبقى استمرار التوتر العسكري في المنطقة عامل خطر يستدعي من المستثمرين الخليجيين متابعة تطورات الصراع الإيراني عن كثب، نظراً لتأثيره المباشر على تكاليف الشحن والتأمين البحري في الممرات المائية القريبة من الخليج العربي.





