في مفارقة لافتة يناقشها السوق الأمريكي هذه الأيام، يقترب مؤشر S&P 500 من مستويات قياسية جديدة، بينما يشعر كثير من المستثمرين الأفراد بأن محافظهم تتصرف وكأنها غارقة في سوق هابطة. هذه هي الصورة التي رسمتها منصة Yahoo Finance، نقلاً عن تقرير نشره موقع Barchart، في محاولة لتفسير الفجوة المتسعة بين أداء المؤشر العام وأداء الحافظة الاستثمارية الفعلية لدى شريحة واسعة من المتداولين.
وبحسب ما ذكره موقع Barchart، فإن هذه الفجوة تعود إلى سببين رئيسيين: الأول هو ارتفاع مستويات أسعار الفائدة، والثاني هو ما يوصف بـ"ضيق القيادة" في السوق، أي أن المكاسب التي تدفع المؤشر إلى الأعلى تتركز في عدد محدود من الأسهم الكبرى، بينما تبقى غالبية الأسهم المدرجة بعيدة عن هذا الزخم، بل إن بعضها يتداول بالفعل في مناطق تشبه أسواق الدببة من حيث الأداء.
هذا التفاوت يفسر لماذا قد يرى مستثمر عادي أن مؤشره المرجعي يحقق أرقاماً قياسية، بينما تظل أسهمه الفردية - خصوصاً في القطاعات الأكثر حساسية لتكلفة الاقتراض - تتراجع أو تراوح مكانها. فعندما ترتفع الفائدة، تتأثر الشركات الأصغر والأكثر اعتماداً على التمويل الخارجي بشكل أكبر من عمالقة التكنولوجيا والشركات ذات التدفقات النقدية القوية، التي تملك قدرة أكبر على امتصاص كلفة الاقتراض المرتفعة، وهو ما يجعلها تقود المؤشر صعوداً بمفردها تقريباً.
هذه الظاهرة ليست جديدة على الأسواق الأمريكية، لكن تقرير Barchart يسلط الضوء عليها في توقيت حساس، حيث يحاول المستثمرون تقييم ما إذا كانت هذه القمم القياسية تعكس صحة اقتصادية عامة، أم أنها نتاج تمركز رأس المال في عدد قليل من الأسماء الكبرى، بينما يعاني بقية السوق من ضغوط حقيقية.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
هذا النمط من "السوق المزدوجة" في وول ستريت قد يحمل دلالات غير مباشرة لأسواق الخليج، نظراً لارتباط عملات دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها الريال السعودي والدرهم الإماراتي، بالدولار الأمريكي بشكل شبه كامل. فأي تغير في مسار أسعار الفائدة الأمريكية ينعكس عادةً بشكل شبه تلقائي على تكلفة الاقتراض في أسواق الخليج، سواء على مستوى القروض المصرفية أو إصدارات الدين الحكومي والشركات.
كما أن ضيق قيادة السوق في الولايات المتحدة، حيث تتركز المكاسب في عدد محدود من الأسهم الكبرى، قد يكون له صدى في أسواق مثل تداول السعودية أو سوق دبي المالي، إذ يميل المستثمرون المؤسسيون الخليجيون إلى متابعة أداء المؤشرات الأمريكية الكبرى كمقياس عام لمعنويات المخاطرة العالمية، حتى لو لم تكن هذه المعنويات تعكس بدقة أداء الاقتصاد الحقيقي أو الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ومن المرجح أن يراقب المستثمرون في الخليج تصريحات الاحتياطي الفيدرالي القادمة عن كثب، إذ إن أي إشارة إلى استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول قد تُبقي الضغط قائماً على القطاعات كثيفة الاستدانة في أسواق المنطقة، تماماً كما يحدث حالياً مع الأسهم الأمريكية الأصغر حجماً التي تتخلف عن ركب المؤشر العام. في المقابل، فإن أي تلميح بتيسير نقدي قد يخفف هذا التفاوت، سواء في وول ستريت أو في الأسواق الخليجية المرتبطة بها عبر مسار الدولار.





