عاد إلى الواجهة أحد أقدم المخاوف البنيوية في منطقة اليورو، بعدما أدت موجة بيع طالت سندات الحكومات الأوروبية إلى إحياء النقاش حول ما يُعرف في الأوساط المالية بـ"حلقة الهلاك" (doom loop)، وهي الرابط الحساس بين الصحة المالية للبنوك ومديونية الدول التي تعمل فيها، بحسب تحليل نشرته وكالة Investing.com.
ويشير مصطلح "حلقة الهلاك" إلى آلية خطرة تنشأ عندما تحتفظ البنوك بكميات كبيرة من سندات حكوماتها المحلية ضمن محافظها الاستثمارية. فحين ترتفع عوائد هذه السندات نتيجة موجات بيع في الأسواق، تنخفض قيمتها السوقية، ما يضرب مباشرة ميزانيات البنوك الحائزة عليها ويضعف رأسمالها. وهذا بدوره يثير شكوكاً حول متانة القطاع المصرفي، ما قد يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى لإقراض الحكومة ذاتها، فتتفاقم كلفة الاقتراض الحكومي أكثر، لتدخل الحكومة والبنوك في دوامة متبادلة من الضعف المالي.
وبحسب التحليل، فإن موجة بيع السندات الأخيرة في منطقة اليورو أعادت فتح هذا الملف الذي ظل حاضراً في الذاكرة المالية الأوروبية منذ أزمة الديون السيادية التي ضربت المنطقة في العقد الماضي، حين كشفت تلك الأزمة بوضوح مدى هشاشة الترابط بين القطاع المصرفي والمالية العامة في بعض دول جنوب أوروبا. ومنذ ذلك الحين، سعت السلطات الأوروبية، عبر خطوات تنظيمية ومؤسسية مثل بناء الاتحاد المصرفي الأوروبي، إلى كسر هذه الحلقة أو على الأقل تخفيف حدتها، غير أن التحليل يرى أن الروابط الهيكلية بين البنوك وديون حكوماتها لا تزال قائمة بدرجات متفاوتة بين دول المنطقة.
ويأتي تجدد هذا الجدل في وقت تشهد فيه أسواق السندات العالمية تقلبات مرتبطة بتوقعات أسعار الفائدة ومسارات السياسة النقدية، ما يجعل أي اضطراب في أسواق الدين السيادي الأوروبي عرضة لإعادة إحياء مخاوف قديمة حول استقرار النظام المالي في المنطقة ككل.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
رغم أن "حلقة الهلاك" المصرفية ظاهرة أوروبية في جوهرها، إلا أن أي اضطراب في أسواق السندات السيادية الأوروبية قد ينعكس بشكل غير مباشر على المزاج العام في الأسواق العالمية، بما في ذلك أسواق الخليج. فعادةً ما تدفع موجات القلق بشأن استقرار القطاع المصرفي الأوروبي المستثمرين الدوليين نحو مزيد من الحذر تجاه الأصول الأكثر مخاطرة، وهو ما قد ينعكس مؤقتاً على تدفقات السيولة نحو أسواق الأسهم الناشئة والخليجية.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الأوروبية قد يترافق مع تغيرات في توقعات أسعار الفائدة العالمية، وهو عامل يهم بشكل مباشر اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي نظراً لارتباط عملاتها بالدولار الأمريكي، ما يجعل تكلفة الاقتراض المحلية وقرارات السياسة النقدية في الخليج حساسة نسبياً لأي تحولات كبرى في أسواق الدين العالمية. ومع ذلك، يبقى الأثر المباشر محدوداً ما لم تتحول هذه التوترات الأوروبية إلى أزمة ثقة أوسع تطال النظام المالي العالمي، وهو سيناريو لا يزال غير مؤكد حتى الآن بحسب طبيعة الجدل الحالي الذي يصفه التحليل بأنه "إحياء" لنقاش قديم وليس أزمة جديدة ناضجة.
وبشكل عام، يُنظر إلى هذا النوع من التطورات على أنه مؤشر يستحق المتابعة من قبل المستثمرين وصناع القرار في الخليج، أكثر من كونه عاملاً يستدعي رد فعل فوري على السياسات النقدية أو أسواق الأسهم المحلية، إذ لا تزال الروابط المالية المباشرة بين القطاع المصرفي الخليجي وديون الحكومات الأوروبية محدودة نسبياً مقارنة بالترابط القائم داخل منطقة اليورو نفسها.





