أعادت تقارير اقتصادية أميركية فتح النقاش حول الأداة الأنسب التي ينبغي أن يعتمدها الاحتياطي الفيدرالي في المرحلة المقبلة من سياسته النقدية، بعد أن ذكرت صحيفة بارونز، في تقرير نشره موقع ياهو فاينانس، أن عدداً من مراقبي السياسة النقدية في الولايات المتحدة يدفعون باتجاه تجاوز أي خطوة جديدة لرفع أسعار الفائدة، والتركيز بدلاً من ذلك على تسريع وتيرة تقليص الميزانية العمومية الضخمة للبنك المركزي الأميركي.

ويرى هؤلاء المراقبون، بحسب ما أورده التقرير، أن الاستمرار في رفع تكلفة الاقتراض المباشرة عبر سعر الفائدة الفدرالي قد لا يكون الخيار الأمثل في الوقت الراهن، وأن الأداة الأخرى المتاحة أمام الفيدرالي، وهي ما يعرف بـ«التشديد الكمي»، أي تقليص حجم الأصول المتراكمة في ميزانية البنك المركزي من سندات الخزانة والأوراق المدعومة بالرهن العقاري، قد تحقق أثراً تشديدياً على السيولة النقدية في الاقتصاد دون الحاجة إلى صدمة سعرية مباشرة تصيب المستهلكين والشركات عبر تكلفة القروض.

ويعكس هذا الطرح، وفق ما تناقلته وكالة الأنباء نفسها، تبايناً داخل دائرة صنّاع القرار وخبراء الأسواق حول التوازن الأمثل بين أداتين رئيسيتين للسياسة النقدية: سعر الفائدة القياسي الذي يؤثر بشكل فوري ومباشر على تكلفة الاقتراض للأسر والشركات، وتقليص الميزانية العمومية الذي يعمل بشكل أبطأ وأكثر تدرجاً عبر سحب السيولة الدولارية تدريجياً من النظام المالي.

ويشير أنصار هذا الاتجاه إلى أن الفيدرالي، الذي وسّع ميزانيته العمومية بشكل كبير خلال سنوات التحفيز النقدي المتعاقبة، لا يزال يحتفظ بمساحة لتسريع بيع أو عدم تجديد استحقاقات جزء من هذه الأصول، بما يتيح تشديداً نقدياً إضافياً من دون المرور عبر قرار رفع الفائدة الذي يحمل كلفة سياسية واقتصادية أكبر على النشاط الاقتصادي والتوظيف.

في المقابل، لا يخفي التقرير أن هذا النقاش لا يزال في طور التداول بين الاقتصاديين والمحللين، وأن القرار النهائي يبقى بيد اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة التي تزن مجموعة من المؤشرات الاقتصادية قبل أي خطوة، سواء كانت متعلقة بسعر الفائدة أو بحجم وتوقيت تقليص الميزانية العمومية.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

يرتبط مسار السياسة النقدية الأميركية بشكل وثيق بأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، نظراً لربط عملات معظم هذه الدول، وعلى رأسها الريال السعودي والدرهم الإماراتي، بالدولار الأميركي بشكل مباشر أو شبه مباشر. وعليه، فإن أي تحول في أداة السياسة النقدية المستخدمة من قبل الفيدرالي، سواء عبر رفع الفائدة أو عبر تقليص الميزانية العمومية، قد ينعكس بشكل غير مباشر على تكلفة الاقتراض المحلية في الخليج وعلى حركة السيولة بالدولار في المنطقة.

ويُتوقع أن يكون تأثير تقليص الميزانية العمومية على الأسواق الخليجية أكثر تدرجاً مقارنة بالتأثير الفوري لرفع الفائدة، إذ إن سحب السيولة الدولارية عالمياً قد يؤثر بشكل تراكمي على تكلفة تمويل الشركات والبنوك الخليجية المصدرة للصكوك والسندات بالدولار في الأسواق العالمية. كما أن استقرار أو تجميد أسعار الفائدة الأميركية، إذا ما تحقق هذا السيناريو، قد يخفف بعض الضغط عن البنوك المركزية الخليجية التي تربط قراراتها عادةً بخطوات الفيدرالي.

ومع ذلك، يبقى من المبكر الجزم بمسار محدد، إذ إن القرار النهائي يعتمد على معطيات اقتصادية أميركية لاحقة، وقد تتغير الحسابات بحسب تطورات التضخم والنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة.