في خضم التوترات المستمرة المرتبطة بمضيق هرمز، لجأت الدول الصناعية الكبرى مجدداً إلى سلاحها الاحتياطي لتهدئة أسواق النفط العالمية، غير أن هذا السلاح بدأ يُظهر علامات واضحة على النفاد.

وبحسب تقرير نشره موقع "أويل برايس" (OilPrice)، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، بعد التشاور مع مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7)، إطلاق دفعة جديدة من المخزونات الاستراتيجية بلغت 100 مليون برميل من الديزل والبنزين والنفط الخام، في خطوة تستهدف تهدئة الأسواق المتوترة.

ويأتي هذا الإطلاق، بحسب الموقع ذاته، ضمن خطة أوسع أُعلنت في مارس/آذار الماضي، تقضي بضخ 400 مليون برميل إجمالاً من الاحتياطيات العالمية، استجابة لما وصفه التقرير بـ"أزمة مضيق هرمز" (Hormuz squeeze)، الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره كميات ضخمة من إمدادات النفط العالمية.

غير أن "أويل برايس" يشير إلى أن هذه السياسة تحمل مخاطر متصاعدة، إذ إن المخزونات الاحتياطية التي يُعوّل عليها العالم لمواجهة الصدمات المفاجئة بدأت تفرغ تدريجياً. فعندما شرعت الإدارة الأمريكية في السحب من الاحتياطي الاستراتيجي النفطي (SPR)، توالت تقارير نقلت عن خبراء تحذيرهم من أن مستويات النفط في هذا الاحتياطي كانت منخفضة بالفعل حتى قبل بدء عمليات السحب الإضافية الأخيرة.

ويكمن جوهر القلق، بحسب التقرير، في أن الاحتياطيات الاستراتيجية، سواء الأمريكية منها أو تلك العائدة لأعضاء الوكالة الدولية للطاقة، لم تُصمم أصلاً للاستخدام المتكرر والمستمر، بل كوسادة أمان أخيرة تُستخدم في الأزمات الحادة والمؤقتة. فكل عملية سحب جديدة تُضعف تدريجياً قدرة هذه الاحتياطيات على التدخل مستقبلاً إذا تصاعدت الأزمة الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز أو امتد أمدها أكثر مما هو متوقع حالياً.

ويعكس توقيت الإطلاق الجديد، الذي جاء بعد أشهر قليلة من الإعلان عن الخطة الأصلية البالغة 400 مليون برميل، حجم القلق المتصاعد لدى صناع القرار في الدول الصناعية الكبرى من استمرار الضغط على أسواق الطاقة، في وقت لا تزال فيه فعالية هذه الأداة التقليدية في كبح الأسعار محل تساؤل متزايد بين المراقبين.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

بالنسبة لأسواق الخليج، يحمل تراجع الاحتياطيات النفطية الطارئة لدى الدول الصناعية الكبرى دلالات مزدوجة. فمن جهة، قد يعني تقلص هذه الوسادة الأمانية أن أي اضطراب مستقبلي في إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره شحنات نفطية ضخمة من دول الخليج، قد يترجم بشكل أسرع إلى تقلبات حادة في أسعار النفط العالمية، نظراً لتراجع قدرة الدول المستهلكة الكبرى على التدخل لتهدئة الأسواق كما كانت تفعل سابقاً. ومن جهة أخرى، قد يصب أي ارتفاع أو تقلب في أسعار النفط، في ظل محدودية أدوات التدخل العالمية، لصالح الموازنات الحكومية في دول الخليج المصدرة للنفط على المدى القصير، وإن كان ذلك مصحوباً عادةً بمخاطر تقلب أعلى تؤثر على التخطيط المالي طويل الأمد.

كما أن عملات دول مجلس التعاون الخليجي المرتبطة بالدولار الأمريكي، مثل الريال السعودي والدرهم الإماراتي، تبقى غالباً بمنأى نسبياً عن التقلبات المباشرة الناتجة عن هذه السياسات، إذ إن ربط هذه العملات بالدولار يحد عادةً من التأثير المباشر لتقلبات أسواق الطاقة على أسعار الصرف. غير أن أي تصعيد جيوسياسي فعلي في مضيق هرمز، مقترناً بتراجع فعالية الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية في كبح الأسعار، قد يدفع تكلفة الاقتراض والتضخم المستورد في دول الخليج نحو الارتفاع، كما قد ينعكس على معنويات المستثمرين في الأسواق المالية الإقليمية المرتبطة بقطاع الطاقة.

وبشكل عام، يُتوقع أن تبقى أنظار الأسواق، بما فيها الأسواق الخليجية، متجهة نحو أي تطورات جديدة تخص قرارات وكالة الطاقة الدولية ومجموعة السبع بشأن مستقبل هذه الاحتياطيات، في ظل غياب مؤشرات واضحة على انفراج قريب في التوترات المرتبطة بالملاحة عبر مضيق هرمز.