يدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة من الضغوط المتزامنة التي تتراكم فوق بعضها بعضاً، بحسب ما أوردته شبكة الجزيرة، إذ تتشابك عوامل داخلية وخارجية لتضع صناع القرار في طهران أمام معادلة معقدة يصعب حلها بإجراء واحد أو قرار منفرد.

في صدارة هذه الضغوط يأتي التراجع المستمر في قيمة الريال الإيراني، وهو تراجع لا ينعكس فقط على القدرة الشرائية للمواطن الإيراني، بل يغذي بدوره موجة تضخم تلتهم الدخول وتقلص من قيمة المدخرات. وبحسب التقرير، فإن هذا المسار التضخمي يترافق مع تباطؤ في الإنتاج المحلي، ما يعني أن الاقتصاد يواجه في آن واحد تراجعاً في العرض وارتفاعاً في الأسعار، وهو مزيج يصعب على أي اقتصاد احتماله لفترة طويلة دون أضرار بنيوية.

ولا يقتصر الأمر على الجانب النقدي والتضخمي، إذ تشير الجزيرة إلى أن التجارة الخارجية الإيرانية تخضع لقيود متعددة تحد من قدرة البلاد على تصدير منتجاتها واستيراد ما تحتاجه من سلع ومعدات، وهو ما ينعكس سلباً على ميزان المدفوعات وعلى احتياطيات العملة الصعبة التي تحتاجها الحكومة للدفاع عن الريال أو تمويل الواردات الأساسية.

ويضاف إلى هذه العوامل تراجع في الاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي، نتيجة حالة عدم اليقين التي تخيم على المشهد الاقتصادي والسياسي الإيراني. فالمستثمرون، بحسب طبيعة السلوك الاقتصادي المعروفة، يميلون إلى الإحجام عن ضخ أموالهم في بيئة تتسم بتقلبات حادة في سعر الصرف وعدم وضوح في الأفق السياسي، وهو ما يحرم إيران من رؤوس أموال كان يمكن أن تسهم في تحديث البنية التحتية وخلق فرص عمل.

أما الملف الأكثر إلحاحاً، بحسب التقرير، فيتمثل في تكاليف الحرب المباشرة وغير المباشرة، والتي تلقي بثقلها على الموازنة العامة وتزيد من حجم العجز الذي تواجهه الحكومة الإيرانية. فالإنفاق العسكري والأمني، إلى جانب الأضرار غير المباشرة الناتجة عن حالة التوتر الإقليمي، يستنزف موارد كان يمكن توجيهها نحو قطاعات إنتاجية أو خدمية، ما يعمق من حدة العجز في الموازنة ويجبر الحكومة على البحث عن مصادر تمويل بديلة، غالباً ما تكون مكلفة أو تضخمية بطبيعتها.

وتخلص الجزيرة في تقريرها إلى أن هذه العوامل مجتمعة - تراجع الريال، التضخم، تراجع الإنتاج، قيود التجارة، تراجع الاستثمار، وتكاليف الحرب - تشكل منظومة ضغط متكاملة تجعل من الصعب على الاقتصاد الإيراني استعادة توازنه في المدى القريب، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على انفراج قريب في الملفات السياسية أو الأمنية المرتبطة بهذه الضغوط.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

رغم أن إيران ليست شريكاً تجارياً مباشراً رئيسياً لمعظم اقتصادات الخليج بسبب العقوبات القائمة، فإن استمرار التوتر الاقتصادي والأمني المرتبط بها قد ينعكس بشكل غير مباشر على المنطقة من زاوية المخاطر الجيوسياسية العامة، التي عادةً ما تدفع المستثمرين إلى توخي الحذر في الأصول الإقليمية المرتبطة بمنطقة الخليج والشرق الأوسط. كما أن أي تصعيد مرتبط بتكاليف الحرب أو التوترات الإقليمية قد يُبقي أسعار النفط تحت تأثير عوامل المخاطرة الجيوسياسية، وهو ما يهم بشكل خاص الاقتصادات الخليجية المصدرة للنفط. وبما أن عملات دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء الكويت، مرتبطة بالدولار الأمريكي، فإن أي اضطراب إقليمي واسع قد يدفع المستثمرين إلى مراقبة تدفقات رؤوس الأموال وتكلفة الاقتراض في أسواق الدين الخليجية بحذر أكبر، دون أن يعني ذلك بالضرورة تأثيراً مباشراً وفورياً على استقرار هذه العملات المرتبطة بالدولار.