بدأت أسواق السندات العالمية تُظهر ملامح تحوّل جوهري قد يعيد تشكيل خريطة تكلفة الاقتراض حول العالم لسنوات مقبلة. فبحسب تقرير نشرته شبكة CNBC، فإن موجة بيع متصاعدة تضرب سندات الحكومات الكبرى في آنٍ واحد، من سندات الخزانة الأمريكية إلى السندات الحكومية اليابانية المعروفة بـ JGB، وصولاً إلى السندات الألمانية "البوند" (Bunds)، في مؤشر على أن العالم قد يكون بصدد الدخول في "عصر أسعار فوائد أعلى" بعد سنوات طويلة من المال الرخيص.
وترى CNBC أن هذا التراجع الحاد في أسعار السندات، والذي يقابله ارتفاع في عوائدها، لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مزيج من ثلاثة عوامل متشابكة تتغذى على بعضها. العامل الأول هو الحجم الكبير لإصدارات الدين الحكومي الجديد في عدد من الاقتصادات الكبرى، ما يزيد المعروض من السندات في السوق ويدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى لقبول شرائها. والعامل الثاني، وفق التقرير، هو صدمة في أسعار النفط أعادت إشعال المخاوف من ارتفاع التضخم مجدداً بعد فترة من التهدئة النسبية. أما العامل الثالث فهو توقعات متزايدة في الأسواق بأن البنوك المركزية الكبرى قد تضطر إلى الاحتفاظ بأسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، أو حتى رفعها مجدداً، بدلاً من المسار الذي كانت تراهن عليه الأسواق سابقاً بخفض تدريجي للفوائد.
هذا المزيج، كما تشير CNBC، يضع صنّاع السياسات النقدية في موقف حساس: فمن جهة، أي تشديد إضافي في السياسة النقدية قد يُثقل كاهل النمو الاقتصادي العالمي الذي لا يزال يتعافى من موجات تضخم سابقة، ومن جهة أخرى فإن التراخي في مواجهة الضغوط التضخمية الجديدة الناتجة عن أسعار النفط قد يقوّض مصداقية البنوك المركزية في احتواء الأسعار.
ويطرح عنوان التقرير سؤالاً محورياً: من سيتحمل فاتورة هذه المرحلة الجديدة من الفوائد المرتفعة؟ فالحكومات المثقلة بالديون ستجد نفسها أمام تكاليف خدمة دين أعلى، وهو ما يعني ضغطاً إضافياً على الموازنات العامة في وقت تتزايد فيه أصلاً حاجة كثير من الدول إلى الاستدانة لتمويل عجز الموازنة أو برامج التحفيز. أما الشركات، فقد تواجه صعوبة أكبر في إعادة تمويل ديونها القائمة أو الحصول على تمويل جديد بأسعار مقبولة، بينما قد يشعر المستهلكون العاديون بالأثر من خلال ارتفاع تكلفة القروض العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
أي تحرك صعودي متواصل في عوائد سندات الخزانة الأمريكية يحمل انعكاسات مباشرة على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، نظراً لارتباط عملات معظم هذه الدول بالدولار الأمريكي، وهو ما يجعل السياسة النقدية الخليجية تتبع عادةً مسار الاحتياطي الفدرالي الأمريكي بشكل وثيق. فإذا استمرت توقعات بقاء الفوائد الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، فقد يعني ذلك استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات الخليجية التي تصدر سندات وصكوكاً دولية، سواء لتمويل مشاريع التنويع الاقتصادي أو لتغطية احتياجات الموازنة.
كما أن صدمة أسعار النفط المذكورة في التقرير، إذا استمرت في اتجاه تصاعدي، قد تحمل تأثيراً مزدوجاً على دول الخليج: فمن جهة قد تدعم إيرادات النفط الحكومية، ومن جهة أخرى قد تغذي مخاوف تضخمية عالمية تنعكس على تكلفة الاستيراد والمعيشة محلياً. وبالنسبة لأسواق الأسهم الخليجية، كسوق تداول السعودي أو أسواق أبوظبي ودبي، فإن بيئة الفوائد المرتفعة عالمياً قد تدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة تقييم جاذبية الأصول الخليجية مقابل عوائد السندات الأمريكية الآمنة نسبياً، وهو عامل يستحق المتابعة عن كثب في الفترة المقبلة دون أن يكون بالضرورة مؤشراً حاسماً على اتجاه واحد.





