بدأت أسواق الطاقة الأوروبية جلسة الخميس على وتيرة متصاعدة من القلق، بعد أن سجلت أسعار الغاز الطبيعي القياسية في القارة العجوز قفزة حادة بلغت 4% عند افتتاح التداول في بورصة أمستردام، في إشارة إلى أن الأزمة المحيطة بمضيق هرمز لا تزال بعيدة عن أي حل قريب يهدئ الأسواق.
وبحسب ما ذكره موقع "أويل برايس" (OilPrice) المتخصص في أخبار الطاقة، فإن هذا الارتفاع جاء نتيجة استمرار الفجوة بين الولايات المتحدة وإيران في المفاوضات المتعلقة بإنهاء الحرب الدائرة بينهما، ووضع حد لتوقف شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة عبر مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يُعد شرياناً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية.
وأشار "أويل برايس" إلى أن السعر الآجل للشهر المقبل في منصة "تايتل ترانسفر فاسيليتي" الهولندية (TTF)، التي تُعتبر المعيار المرجعي لتداول الغاز في أوروبا، تراجع بعد القفزة الأولى عند الافتتاح، لكنه ظل مرتفعاً بنسبة 3% عند مستوى 84.30 دولار، أي ما يعادل 74 يورو لكل ميجاواط/ساعة، بحلول منتصف جلسة الصباح.
ورغم هذا الارتفاع اللافت، أوضح الموقع أن الأسعار الحالية لا تزال أدنى من القمة التي سجلتها خلال الشهر الجاري، حين لامست 93 دولاراً، أو ما يعادل 82 يورو لكل ميجاواط/ساعة. وهذا يعني أن السوق يتحرك حالياً ضمن نطاق تقلب واسع يعكس استمرار حالة القلق بشأن مسار الأزمة، دون أن يصل بالضرورة إلى مستويات الذعر القصوى التي شهدتها الأسواق في مرحلة سابقة من هذا الشهر.
ويكمن جذر هذا التوتر في كون مضيق هرمز يمثل ممراً لا غنى عنه لشحنات الغاز الطبيعي المسال والنفط الخام المتجهة من منطقة الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، وأي اضطراب فيه أو تهديد بإغلاقه ينعكس فوراً على تكاليف التأمين البحري والشحن، وهو ما يترجم بدوره إلى ضغوط تصعيدية على أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، وأوروبا تحديداً التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز المسال لتعويض النقص الذي خلفه انقطاع الإمدادات الروسية عبر خطوط الأنابيب في السنوات الأخيرة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
يرتبط أي توتر متصل بمضيق هرمز ارتباطاً مباشراً بمصالح اقتصادات الخليج، كونها تعتمد على هذا الممر لتصدير جزء كبير من نفطها وغازها المسال إلى الأسواق العالمية، وبالتالي فإن أي تصعيد أو استمرار للجمود التفاوضي بين واشنطن وطهران قد يبقي المستوردين والمصدرين في حالة تأهب لفترة أطول. من الناحية النظرية، فإن استمرار تذبذب أسعار الغاز الأوروبية، كما تعكسه حركة مؤشر TTF، قد يصب في صالح الدول الخليجية المصدّرة للغاز المسال من خلال تحسين عوائد الصادرات في حال بقيت الأسعار مرتفعة نسبياً، لكن في المقابل فإن أي تصعيد فعلي يهدد بإغلاق أو تعطيل حركة الشحن عبر المضيق قد يرفع أيضاً تكاليف التأمين والشحن على الناقلات الخليجية نفسها، وهو عامل قد يقلّص من صافي المكاسب المحتملة.
أما على صعيد الأسواق المالية الخليجية، فعادةً ما تنعكس فترات التوتر الجيوسياسي المرتبطة بالطاقة على معنويات المستثمرين في بورصات المنطقة، خصوصاً الأسهم المرتبطة بقطاعي النفط والغاز، فيما تبقى عملات دول مجلس التعاون الخليجي، المرتبطة بالدولار الأمريكي، بمنأى نسبياً عن الضغط المباشر بحكم نظام الربط الثابت، وإن كان أي تصعيد كبير في المنطقة قد يدفع صناع السياسة النقدية والمالية إلى مراقبة أوضاع السيولة وتكلفة الاقتراض عن كثب أكثر من المعتاد، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحركاً فورياً في أسعار الفائدة المحلية.





