تكشف مدينة بندر عباس، البوابة الإيرانية على مضيق هرمز، عن وجه آخر للاضطرابات الجيوسياسية المتكررة في هذا الممر المائي الحيوي، حيث لا تقتصر التوترات على حسابات الجيوسياسة والملاحة الدولية، بل تتسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية لسكان المدينة الساحلية.
وبحسب تقرير نشرته قناة الجزيرة، فإن صيادين يعودون من رحلاتهم البحرية بحصيلة محدودة، في مؤشر على تأثر النشاط الاقتصادي المرتبط بالبحر جراء حالة عدم الاستقرار المحيطة بالمضيق. ولم يقف الأمر عند الصيادين، إذ رصد التقرير حال تاجر لم يعد قادراً على تسعير سلعته بثبات، في ظل التقلبات المتسارعة التي تضرب قيمة العملة المحلية.
وأشارت الجزيرة إلى مشهد آخر يلخّص حجم الضغط المعيشي، يتمثل في أم تضطر إلى تأجيل شراء لوازم المدرسة لأبنائها، وهو مؤشر دالّ على أن تراجع الريال الإيراني لم يبق حبيس الأسواق ونشرات الصرف، بل تحوّل إلى عبء مباشر على ميزانيات الأسر في مدينة تعتمد اقتصادها إلى حد كبير على حركة الملاحة والتجارة العابرة لمضيق هرمز.
وتحتل بندر عباس موقعاً استراتيجياً بوصفها من أهم المدن الإيرانية المشرفة على المضيق الذي يشكل ممراً رئيسياً لصادرات النفط الخليجي إلى الأسواق العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب أمني أو سياسي في المنطقة ينعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي المحلي، من حركة الموانئ إلى أسواق التجزئة، وصولاً إلى قوارب الصيد الصغيرة التي يعتمد عليها آلاف السكان في معيشتهم اليومية.
ويرى مراقبون أن الجمع بين تراجع قيمة الريال الإيراني واستمرار حالة التوتر في محيط هرمز يخلق حلقة مفرغة من الضغوط الاقتصادية، حيث يتردد التجار في تحديد أسعار بيعهم بسبب عدم استقرار العملة، بينما تتراجع القدرة الشرائية للأسر تدريجياً، وهو ما يظهر جلياً في تفاصيل صغيرة مثل تأجيل شراء مستلزمات دراسية، بحسب ما رصده تقرير الجزيرة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
يُتوقع أن تظل أي اضطرابات تشهدها مدن الساحل الإيراني المحيطة بمضيق هرمز، وما يرتبط بها من تراجع في قيمة الريال الإيراني، محط رصد دقيق من قبل الأسواق الخليجية، بالنظر إلى أن المضيق يمثل ممراً حيوياً لصادرات النفط والغاز من دول مجلس التعاون الخليجي. فأي تصعيد أو حالة عدم استقرار في هذا الممر قد ينعكس على تكاليف الشحن والتأمين البحري بالنسبة لناقلات النفط والبضائع العابرة، وهو ما قد يترك أثراً غير مباشر على أسواق الطاقة الإقليمية والعالمية.
ومن زاوية أخرى، قد لا يكون لتراجع الريال الإيراني تأثير مباشر على عملات دول الخليج المرتبطة غالباً بالدولار الأمريكي، لكن استمرار التوترات في المضيق عادةً ما يدفع المستثمرين والمتعاملين في أسواق المال الخليجية، بما فيها بورصات مثل تداول السعودية، إلى مراقبة أوضاع المخاطر الجيوسياسية عن كثب، خاصة فيما يتعلق بأسهم شركات النقل البحري والطاقة. كما قد تنعكس أي مخاوف من تصعيد إقليمي على تكلفة التمويل والاقتراض في المنطقة إذا تصاعدت حالة القلق لدى المؤسسات المالية الدولية تجاه استقرار الممرات البحرية الحيوية في الخليج.





