عاد مشهد الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين ليتكرر في العاصمة العراقية بغداد، حيث رصدت وكالة الجزيرة، نقلاً عن وكالة الصحافة الفرنسية، تجمع أعداد كبيرة من السيارات صباح يوم السبت أمام محطات تعبئة الوقود في مختلف أحياء المدينة، في مؤشر جديد على تفاقم أزمة الإمدادات التي يعيشها العراق منذ أسابيع.

وبحسب ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية، فإن هذه الطوابير تأتي في ظل استمرار تراجع الواردات النفطية العابرة لمضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يُعد شرياناً حيوياً لتدفق النفط ومشتقاته في منطقة الخليج، وذلك منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط التي أعادت رسم خريطة التوتر في المنطقة وأثقلت حركة الملاحة والشحن عبر هذا الممر الحساس.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط العبور في العالم لناقلات النفط، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على حركة الإمدادات إلى الدول المجاورة التي تعتمد عليه في استيراد أو تصدير مشتقاتها النفطية، ومن بينها العراق الذي يواجه تحديات مركّبة تتعلق بالبنية التحتية للتكرير المحلي، إضافة إلى اعتماده الجزئي على الاستيراد لتغطية الطلب الداخلي المتصاعد على البنزين وغيره من المشتقات.

ولم تحدد التقارير الواردة من وكالة الجزيرة حجم التراجع في الواردات أو مدته الزمنية بدقة، لكن استمرار تشكل الطوابير في العاصمة يعكس أن الأزمة ليست عابرة، بل ترتبط بعامل خارجي يتمثل في استمرار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة منذ اندلاع الحرب، وهو ما يجعل من الصعب التنبؤ بموعد انتهاء هذه الاضطرابات في سلاسل التوريد.

ويأتي هذا التطور في وقت حساس بالنسبة للعراق، الذي يعتمد اقتصاده بشكل كبير على عائدات النفط، لكنه في المقابل يعاني بشكل متكرر من نقص في المشتقات النفطية المكررة محلياً، مما يجعله عرضة لأي هزات تصيب حركة الملاحة أو الإمدادات الإقليمية عبر الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

قد يشكل استمرار الضغط على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مصدر قلق أوسع لأسواق الطاقة في منطقة الخليج، نظراً إلى أن هذا الممر يُستخدم لتصدير جزء كبير من نفط دول مجلس التعاون الخليجي إلى الأسواق العالمية. ورغم أن الأزمة الحالية تتمثل في تراجع الواردات إلى العراق تحديداً، فإن أي توتر مستمر في المضيق يُتوقع أن يبقي المستثمرين والمتعاملين في أسواق النفط في حالة تأهب، خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين استقرار الملاحة في هرمز وتسعير الخام في الأسواق الدولية.

ومن المرجح أن تراقب البورصات الخليجية، وعلى رأسها سوق تداول السعودي وأسواق دبي وأبوظبي، أي تطورات إضافية تتعلق بحركة الشحن في المضيق، لا سيما أن قطاعي الطاقة والنقل البحري يمثلان مكوناً مهماً في مؤشرات هذه الأسواق. كما أن ارتباط عملات دول الخليج بالدولار الأمريكي يجعل أي تقلبات كبيرة في أسعار النفط تنعكس بشكل غير مباشر على السياسات النقدية وتكلفة الاقتراض في المنطقة، عادةً من خلال تأثيرها على الإيرادات الحكومية والموازنات العامة.

وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول الخليجية المصدرة للمشتقات النفطية المكررة من ارتفاع الطلب الإقليمي في حال استمرار نقص الإمدادات في العراق، إذ عادةً ما تسعى الدول المتأثرة بأزمات الوقود إلى تنويع مصادر استيرادها من الأسواق المجاورة، وهو ما قد يفتح فرصاً تجارية محدودة لبعض شركات تكرير وتوزيع المنتجات النفطية في الخليج، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولاً جوهرياً في موازين السوق الإقليمية.