عاد شبح الفائض ليخيّم على سوق النفط العالمية، بعدما كانت الأسواق قبل أشهر قليلة تتحدث عن مخاطر عجز محتمل في الإمدادات. وبحسب تقرير نشره موقع "أويل برايس" (OilPrice)، فإن محللين في بنكي غولدمان ساكس وجي بي مورغان يرون أن السوق تتجه من جديد نحو فائض في المعروض، مع تلاشي المخاوف من نقص الإمدادات وتصاعد القلق بشأن تخمة جديدة في الأسواق.

وأرجع التقرير هذا التحول إلى ما وصفه بـ"تدمير الطلب" الناتج عن ارتفاع الأسعار، إذ دفعت تكاليف الطاقة المرتفعة المستهلكين والصناعات إلى خفض استهلاكهم من النفط، وهو ما انعكس مباشرة على موازين العرض والطلب العالمية.

وفي هذا السياق، نقل موقع "أويل برايس" عن تقرير لبنك جي بي مورغان صدر هذا الأسبوع قوله: "نقدّر أن سوق النفط العالمية عادت إلى فائض بلغ 1.1 مليون برميل يومياً في سبتمبر، وهو ما اتسع إلى 1.4 مليون برميل يومياً في أكتوبر، وهو رقم يقترب من متوسط العام الماضي البالغ 1.3 مليون برميل يومياً". هذه الأرقام تعني عملياً أن المعروض من الخام يفوق الطلب العالمي عليه بوتيرة متسارعة بين الشهرين، بعدما كانت تقديرات سابقة تميل نحو توازن أو حتى عجز طفيف في الأسواق.

«We estimate the global oil market returned to a surplus of 1.1 million barrels per day in September, widening to 1.4 million bpd in October, nearly matching last year's average of 1.3 million bpd»
تقرير بنك جي بي مورغان

أما بنك غولدمان ساكس، فقد قدّم قراءة أكثر تحفظاً، إذ اعتبر أن سوق النفط كانت متوازنة نسبياً خلال شهر سبتمبر، وفق ما أورده التقرير، في إشارة إلى وجود تباين بين كبرى المؤسسات المالية في تقدير حجم الفائض الفعلي، وإن اتفقت جميعها على اتجاه السوق العام نحو مزيد من وفرة المعروض.

هذا التحول في قراءة المؤسسات المالية الكبرى يحمل دلالات مهمة لصناع القرار في الدول المنتجة للنفط، إذ يضع تحالف أوبك+ أمام تحدٍ مزدوج: إدارة مستويات الإنتاج بما يوازن بين الحفاظ على حصص السوق من جهة، ومنع انهيار الأسعار نتيجة تضخم المعروض من جهة أخرى. فكلما اتسعت فجوة الفائض بين العرض والطلب، تزايد الضغط الهبوطي المحتمل على أسعار الخام في الأسواق العالمية، وهو ما قد يدفع المنتجين الكبار إلى إعادة تقييم سياساتهم الإنتاجية في الاجتماعات المقبلة.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

تداعيات هذا التحول في موازين العرض والطلب قد تطال اقتصادات الخليج بشكل مباشر، نظراً لاعتماد موازنات دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات متفاوتة على عائدات النفط. فإذا استمر الفائض في الاتساع كما تشير تقديرات جي بي مورغان، فقد يترجم ذلك إلى ضغوط إضافية على أسعار خامي برنت وغرب تكساس الوسيط، وهو ما قد ينعكس بدوره على الإيرادات النفطية للدول المصدرة في المنطقة، ويزيد من احتمالات مراجعة سقوف الإنفاق العام أو اللجوء إلى الاقتراض لتمويل العجوزات المحتملة.

كما أن تراجع أسعار النفط عادةً ما ينعكس على أداء البورصات الخليجية، وفي مقدمتها الأسهم المرتبطة بقطاعي الطاقة والبتروكيماويات في تداول السعودية وسوق أبوظبي وسوق دبي الماليين، نظراً لارتباط أرباح الشركات المدرجة في هذه القطاعات بشكل وثيق بمستويات أسعار الخام العالمية. ومن المرجح أن تراقب الأسواق عن كثب أي تحركات قادمة من تحالف أوبك+ كاستجابة لهذه التقديرات، باعتبارها مؤشراً مبكراً على اتجاه الأسعار خلال الأشهر المقبلة.

أما على صعيد العملات، فإن ارتباط عملات دول الخليج بالدولار الأمريكي يجعلها أقل تأثراً مباشرة بتقلبات النفط من الناحية النقدية، إلا أن الضغط على الإيرادات النفطية قد يظل عاملاً يستحق المتابعة بالنسبة لمستثمري وصناع السياسات في المنطقة خلال الفترة المقبلة.