في مفارقة لافتة تثير تساؤلات المتداولين، واصلت أسعار النفط ارتفاعها خلال الأسابيع الماضية رغم تقارير متواترة عن تعافي تدفقات الخام من منطقة الخليج الفارسي والبحر الأحمر. وبحسب ما ذكره موقع "أويل برايس" (OilPrice)، فإن هذا الصعود في الأسعار يشير إلى أن أرقام البراميل وحدها لم تكن كافية لإقناع الأسواق العالمية بأن الأوضاع عادت تماماً إلى طبيعتها، وهو ما يؤكده الموقع بالقول صراحة إن "الأمر ليس كذلك".

ووفقاً لأحدث بيانات شركة "كبلر" (Kpler) المتخصصة في تتبع تدفقات السلع والطاقة، فإن إجمالي صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط خلال شهر أكتوبر فاقت بالفعل مستوياتها المسجلة قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما على إيران في نهاية فبراير. ويعني ذلك أن حجم الخام الخارج من المنطقة لم يتراجع كما كان يُخشى في أعقاب التصعيد العسكري، بل عاد ليتجاوز معدلاته السابقة.

كما أشار التقرير، بحسب نفس المصدر، إلى أن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز وحده سجلت أيضاً مستويات مرتفعة خلال الفترة نفسها، في إشارة إلى أن الممر الملاحي الأكثر حساسية في سوق الطاقة العالمية لم يتأثر بشكل جوهري ومستمر بالتوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة مطلع العام.

هذا التناقض الظاهري بين تعافي العرض وارتفاع الأسعار في آن واحد يضع المتداولين أمام سؤال جوهري: ما الذي يحرك السوق إذن إن لم تكن مخاوف نقص الإمدادات؟ ويرى مراقبون أن استمرار المخاطر الجيوسياسية الكامنة، حتى في ظل تعافي الصادرات الفعلية، يبقي علاوة المخاطرة (risk premium) حاضرة في تسعير العقود الآجلة، ذلك أن الأسواق غالباً ما تتسعر وفق الاحتمالات المستقبلية لا الأرقام التاريخية وحدها.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تشكل الإيرادات النفطية عصب موازناتها العامة، فإن استمرار ارتفاع الأسعار رغم تعافي الصادرات قد يُنظر إليه كخبر إيجابي على المدى القصير، إذ يعني تدفقات مالية أعلى مما كان متوقعاً عند رسم الموازنات. ومع ذلك، فإن هذا التباين بين العرض والسعر قد يحمل أيضاً إشارة تحذيرية بأن السوق لا يزال يسعّر مخاطر جيوسياسية كامنة حول مضيق هرمز، وهو الممر الذي تمر عبره شحنات ضخمة من خام الخليج، ما قد يبقي حالة من التقلب قائمة في أسواق الطاقة.

كما أن استقرار العملات الخليجية المرتبطة بالدولار الأمريكي، مثل الريال السعودي والدرهم الإماراتي، يجعل أي تحرك في أسعار النفط ينعكس بشكل شبه مباشر على الإيرادات الحكومية دون مخاطر تذبذب سعر الصرف. وقد يدفع هذا الوضع صناع القرار في دول الخليج إلى مواصلة سياسات تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد الكلي على عائدات النفط، خصوصاً إذا ما استمر هذا النمط من التذبذب بين تعافي الإمدادات وبقاء المخاوف الجيوسياسية مسيطرة على معنويات المتداولين. وعلى صعيد أسواق الأسهم الخليجية، فإن قطاعي الطاقة والبتروكيماويات قد يستفيدان نسبياً من بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، وإن كان من المرجح أن يظل المستثمرون حذرين إزاء أي تصعيد جديد قد يهدد حرية الملاحة في المضيق.