أعلن الأردن فتح مسار جديد لإمداد لبنان بالغاز الطبيعي عبر الأراضي السورية، في خطوة تحمل دلالات اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود الملف الفني الضيق. وبحسب ما ذكرته شبكة الجزيرة، يستفيد هذا المسار من البنية التحتية القائمة في ميناء العقبة الأردني وشبكة النقل الإقليمية للغاز، في خطوة تهدف إلى دعم إنتاج الكهرباء في لبنان وتعزيز موقع المملكة كمركز إقليمي لتبادل الطاقة.
ويأتي هذا التحرك في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة كهرباء مزمنة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع قدرة الدولة على تغذية الشبكة الوطنية بشكل مستقر، الأمر الذي دفع بيروت إلى البحث عن خيارات إقليمية متعددة لتأمين إمدادات الطاقة اللازمة لمحطات توليد الكهرباء. ويمثل الغاز القادم عبر سوريا أحد المسارات التي تسعى السلطات اللبنانية من خلالها إلى تنويع مصادر التزود بالطاقة، بعيدا عن الاعتماد الكامل على الحلول المكلفة أو المؤقتة.
من جانب الأردن، تعكس هذه الخطوة استمرار سياسة عمّان في توظيف موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية في قطاع الطاقة، وعلى رأسها ميناء العقبة الذي يشكل نقطة استيراد وتوزيع رئيسية للمملكة، لتثبيت دورها كحلقة وصل بين مصادر الطاقة في المنطقة والدول المحتاجة إليها. فالمملكة التي لا تمتلك احتياطيات نفطية أو غازية كبيرة، تسعى منذ سنوات إلى تحويل موقعها الجغرافي الوسيط إلى مصدر قوة اقتصادية، من خلال شبكات النقل والخطوط الناقلة التي تربطها بجيرانها.
ويحمل عبور الغاز عبر الأراضي السورية بعدا إضافيا يتعلق بإعادة تفعيل خطوط الطاقة الإقليمية التي تأثرت بشكل كبير خلال سنوات النزاع في سوريا، وهو ما قد يفتح الباب أمام ترتيبات مماثلة مستقبلا في مجالات أخرى مرتبطة بالبنية التحتية الإقليمية للطاقة والنقل، بحسب ما أشارت إليه الجزيرة في تغطيتها للموضوع.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
على الرغم من أن هذا الملف يبدو في ظاهره إقليميا محدودا يخص الأردن ولبنان وسوريا، فإن أي تطور في خطوط إمداد الطاقة في شرق المتوسط قد يحمل تداعيات غير مباشرة على أسواق الطاقة في الخليج. فدول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها المصدّرون الكبار للنفط والغاز، تتابع عادةً عن كثب أي إعادة هيكلة لممرات الطاقة الإقليمية، إذ يمكن أن تؤثر هذه الترتيبات على موازين العرض والطلب في أسواق الغاز الإقليمية على المدى المتوسط.
كما أن استقرار إمدادات الكهرباء في لبنان، إذا ما تحقق تدريجيا عبر هذا المسار، قد يساهم في تحسين البيئة الاقتصادية العامة في بلد يشكل سوقا استهلاكية وتجارية لها ارتباطات مع مستثمرين خليجيين، خصوصا في قطاعي المصارف والعقارات. ومن المرجح أن تراقب الجهات المالية في الخليج، التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي عبر أنظمة ربط ثابتة كما هو الحال في السعودية والإمارات وقطر والبحرين وعمان بدرجات متفاوتة، أي تغيرات في كلفة الطاقة الإقليمية بوصفها عاملا قد يؤثر بشكل غير مباشر على معدلات التضخم المستوردة في اقتصادات المنطقة.
وبشكل عام، يظل هذا الملف في مرحلته الأولى، ولا تتوفر حتى الآن معطيات كافية حول حجم الكميات المنقولة أو الجدول الزمني الكامل للتنفيذ، وهو ما يجعل من الصعب حاليا قياس أثره الكمي على أسواق الطاقة الإقليمية أو الخليجية بشكل دقيق، إلى حين ظهور تفاصيل تشغيلية أوضح من الجهات الرسمية المعنية.





