كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، بحسب ما نقلته شبكة الجزيرة، عن تطور لافت في طريقة تعامل جماعة الحوثي مع الملاحة البحرية عبر مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم. فبدلاً من الاكتفاء بالتهديدات العسكرية المباشرة التي ميزت المرحلة الأولى من التصعيد في البحر الأحمر، باتت الجماعة تدير حركة السفن العابرة من خلال نظام أذونات يُرسل ويُستقبل عبر البريد الإلكتروني، في ما يشبه آلية تصريح إداري موازٍ لسلطات الملاحة الدولية المعترف بها.

وبحسب التقرير الذي نقلته الجزيرة، تشترط جماعة الحوثي على ملاك السفن وشركات الشحن تقديم ما يثبت عدم وجود أي ارتباط لسفنهم بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو بريطانيا، قبل منحها إذناً بالعبور بسلام عبر المضيق. هذا الأسلوب يعكس انتقال الجماعة من مرحلة الاستهداف العشوائي أو المباشر إلى مرحلة أكثر تنظيماً تقوم على الفرز المسبق للسفن وفق هوية الجهات المالكة أو المشغلة لها، وجنسيات أطقمها، ووجهاتها، وما إذا كانت مرتبطة بأي شكل بالدول الثلاث المستهدفة.

هذا التحول في أسلوب العمل يحمل دلالات مهمة على عدة مستويات. فعلى المستوى العملياتي، يعني أن الحوثيين يسعون لفرض نوع من الشرعية الإدارية على مرور السفن، بما يتيح لهم تحصيل معلومات استخباراتية دقيقة عن حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وعلى مستوى شركات الشحن العالمية، فإن وجود نظام تصاريح يصدر عن جهة غير معترف بها دولياً يضع هذه الشركات أمام معضلة قانونية وتشغيلية معقدة، بين الامتثال لمتطلبات الحوثيين لتجنب الاستهداف، وبين تبعات ذلك على علاقاتها التجارية والقانونية الدولية.

ويأتي هذا التطور في وقت لا تزال فيه حركة الملاحة عبر باب المندب وقناة السويس متأثرة بشكل كبير بموجات التصعيد المتكررة في البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب في غزة، ما دفع العديد من شركات الشحن الكبرى إلى تفضيل مسار رأس الرجاء الصالح الأطول رغم كلفته الإضافية، تجنباً للمخاطر الأمنية في المضيق.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

قد يحمل هذا التطور في طريقة إدارة الحوثيين لملف الملاحة انعكاسات غير مباشرة على اقتصادات دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على سلاسل الإمداد البحرية والتصدير النفطي عبر البحر الأحمر. فأي استمرار أو تعمق في حالة عدم اليقين بشأن سلامة العبور عبر باب المندب من المرجح أن يبقي أقساط التأمين على الشحن والناقلات مرتفعة نسبياً، وهو عامل يضيف كلفة تشغيلية على حركة التجارة الإقليمية والدولية.

كما أن استمرار التوتر في هذا الممر الحيوي قد يُبقي أسعار النفط، وتحديداً خام برنت الذي يُعد المرجع الرئيسي لتسعير صادرات دول الخليج، عرضة لتقلبات مرتبطة بمخاوف الإمداد، دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاعاً حاداً ومستمراً في الأسعار، إذ تبقى العوامل المرتبطة بالعرض والطلب العالميين والقرارات الإنتاجية لتحالف أوبك+ هي المحرك الأساسي للأسعار على المدى المتوسط.

وبالنسبة للأسواق المالية الخليجية، وبحكم ارتباط عملات دول مجلس التعاون بالدولار الأمريكي، فإن أي تصعيد جيوسياسي إقليمي عادةً ما يُترجم في المقام الأول إلى تحركات في أسواق الطاقة والشحن أكثر من تأثيره المباشر على أسواق الأسهم المحلية مثل تداول السعودية، وإن كان لا يمكن استبعاد تأثيرات غير مباشرة على معنويات المستثمرين إذا تصاعدت حدة الأحداث في المنطقة.