سجّلت الصين، أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، تراجعاً بنسبة 3.1% في هذه الانبعاثات خلال الربع الثالث من العام الجاري، وفق تقرير صادر عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف الفنلندي (CREA)، نقلته وكالة رويترز. ويأتي هذا التراجع نتيجة مباشرة لانخفاض استهلاك الوقود في القطاع الصناعي الصيني، في مؤشر على تباطؤ النشاط الاقتصادي أو تحوّل تدريجي في مصادر الطاقة المستخدمة في الاقتصاد الصيني.
وبحسب ما ذكره مركز CREA، فإن الانخفاض في الانبعاثات جاء مدفوعاً بانخفاض استهلاك النفط الخام بنسبة 4% خلال الفترة نفسها، فيما كان التراجع أكثر حدة في قطاع النقل، حيث هبط استهلاك الوقود فيه بنسبة 9% خلال الأشهر الثلاثة التي يغطيها التقرير. كما أشار المركز إلى أن استهلاك الفحم في الصين تراجع أيضاً خلال الربع الثالث من العام، في استمرار لنمط التباطؤ الذي تشهده مصادر الطاقة الأحفورية الرئيسية في البلاد.
هذه الأرقام تحمل دلالة مزدوجة؛ فمن جهة تعكس تقدماً نسبياً في مساعي الصين لكبح جماح انبعاثاتها الكربونية، باعتبارها الاقتصاد الأكبر عالمياً من حيث الانبعاثات، ومن جهة أخرى تثير تساؤلات حول قوة الطلب الصناعي والنقل في ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومستورد رئيسي للنفط الخام عالمياً. فالصين تُعد من أكبر المحركات للطلب العالمي على النفط، وأي تباطؤ في استهلاكها المحلي للخام أو مشتقاته ينعكس عادة على موازين العرض والطلب في الأسواق النفطية الدولية.
ولم يوضح الملخص المتاح من التقرير الرقم الدقيق لتراجع استهلاك الفحم، إلا أن الإشارة إلى استمرار هذا التراجع في الربع الثالث تتسق مع تقارير سابقة تتحدث عن تحول تدريجي في مزيج الطاقة الصيني نحو مصادر أقل انبعاثاً، رغم أن الفحم لا يزال يشكل ركيزة أساسية في توليد الكهرباء بالبلاد.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
تراجع الطلب الصيني على النفط الخام بنسبة 4% خلال الربع الثالث، وفق ما ورد في تقرير مركز CREA، قد يحمل دلالات غير مباشرة لمصدري النفط في الخليج، بالنظر إلى أن الصين تُعد من أكبر مستوردي الخام من دول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصاً المملكة العربية السعودية والإمارات والعراق ودول أخرى في المنطقة. فأي تباطؤ مستمر في الطلب الصناعي أو طلب قطاع النقل الصيني قد يضغط تدريجياً على أسعار النفط العالمية، وبالتالي على الإيرادات النفطية لموازنات دول الخليج التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز.
ومن المرجح أن تراقب الجهات الرسمية في دول الخليج، ومنها منتجو النفط الأعضاء في تحالف أوبك+، مؤشرات الطلب الصيني عن كثب، باعتبارها أحد أهم العوامل المؤثرة في قرارات الإنتاج المستقبلية. كما أن استمرار تباطؤ استهلاك الفحم والوقود الأحفوري في الصين قد يعزز، على المدى المتوسط، التوجهات الخليجية نحو تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، وهو مسار تسير فيه بالفعل برامج التحول الاقتصادي في السعودية والإمارات وقطر.
وبما أن عملات دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء الكويت، مرتبطة بالدولار الأمريكي، فإن أي تقلبات في أسعار النفط الناتجة عن تغيّر الطلب الصيني قد تنعكس بشكل غير مباشر على تدفقات العملة الأجنبية وتكلفة الاقتراض الحكومي في المنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تأثيراً فورياً أو حاداً على الأسواق المالية الخليجية في المدى القصير.





