سجّل الاقتصاد الأمريكي نمواً بنسبة 3.4% خلال الربع الثالث من العام الجاري، في أسرع وتيرة توسع يحققها خلال عام كامل، بحسب ما ذكرته شبكة الجزيرة نت نقلاً عن بيانات رسمية. وجاء هذا الأداء القوي مدفوعاً بعاملين رئيسيين: استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي الذي يشكّل العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي، وتسارع وتيرة الاستثمارات الضخمة الموجهة نحو قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي بات محركاً متصاعداً للنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة.

لكن هذا الزخم في النمو لم يأتِ بلا كلفة، إذ أظهرت البيانات ذاتها، بحسب الجزيرة نت، أن معدل التضخم تسارع إلى 3.6%، مدفوعاً جزئياً بارتفاع تكاليف الطاقة. وهذا المزيج بين نمو قوي وتضخم متصاعد يضع صانعي السياسة النقدية في الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة: فمن جهة يعكس النمو متانة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على الصمود رغم بيئة أسعار فائدة مرتفعة نسبياً خلال الفترة الماضية، ومن جهة أخرى فإن تسارع التضخم يعيد إلى الواجهة المخاوف من أن تكون الضغوط السعرية أكثر استمرارية مما كان متوقعاً.

وبحسب التقرير، فإن هذا المزيج من المؤشرات يعزز احتمالات رفع الفائدة من قبل البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي)، في انعكاس للتوازن الدقيق الذي يحاول صناع القرار النقدي الحفاظ عليه بين دعم النمو من جهة وكبح جماح التضخم من جهة أخرى. فالاستهلاك القوي والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي يشيران إلى أن الاقتصاد الأمريكي ما زال في وضع متين نسبياً، لكن عودة التضخم للتسارع تعني أن المسار نحو استقرار الأسعار لم يُحسم بعد.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

أي تحوّل في مسار السياسة النقدية الأمريكية ينعكس بشكل مباشر على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، نظراً لارتباط عملات معظم هذه الدول بالدولار الأمريكي بشكل مباشر أو شبه مباشر، كما هو الحال مع الريال السعودي والدرهم الإماراتي وغيرهما. فإذا تعزّزت احتمالات رفع الفائدة الأمريكية بفعل تسارع التضخم إلى 3.6% كما أظهرت بيانات الربع الثالث، فمن المرجح أن تضطر البنوك المركزية الخليجية إلى محاكاة أي تحرك مماثل من الاحتياطي الفيدرالي، حفاظاً على الارتباط النقدي القائم.

وقد يترتب على ذلك ارتفاع تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد في دول الخليج، نظراً لأن أسعار الفائدة المحلية عادةً ما تتحرك بالتوازي مع التغيرات في الفائدة الأمريكية. كما أن قوة الاقتصاد الأمريكي، المدعومة بنمو بلغ 3.4%، قد تنعكس إيجاباً على الطلب العالمي على الطاقة بما يشمل النفط، وهو ما قد يحمل دلالة مزدوجة للاقتصادات الخليجية المعتمدة على إيرادات النفط: فمن جهة يدعم نمو الطلب الأسعار، ومن جهة أخرى فإن بيئة فائدة أعلى قد تضغط على تكاليف التمويل وجاذبية بعض الأصول المدرة للدخل في أسواق المال الخليجية، بما فيها بورصات مثل تداول السعودية وسوق دبي المالي وسوق أبوظبي للأوراق المالية. ويبقى على المستثمرين والمتابعين في المنطقة ترقّب اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة لتبيّن ما إذا كانت هذه البيانات ستترجم فعلياً إلى قرار برفع الفائدة أو الإبقاء عليها دون تغيير.