بات النفط الخام يصبح أكثر كلفة قبل أن يصل إلى المصفاة أساساً، في ظاهرة لافتة يرصدها تقرير موقع "أويل برايس" (OilPrice) المتخصص في أسواق الطاقة. وبحسب ما ذكره الموقع، فإن تكاليف الشحن البحري تشكل الآن ما يقارب خُمس تكلفة شحنة النفط الخام الواحدة، وهو ما يجعل سوق ناقلات النفط الضخمة محركاً رئيسياً لما يدفعه المشترون النهائيون في مختلف الأسواق.

ويقع في قلب هذا الضغط التسعيري ما يعرف بناقلات الخام العملاقة "VLCC"، وهي الناقلات الضخمة القادرة على حمل نحو مليوني برميل من النفط في رحلة واحدة. وأشار تقرير "أويل برايس" إلى أن هذه الناقلات تنفق وقتاً أطول في البحر مع اضطرار المصافي حول العالم إلى البحث عن مصادر توريد أبعد جغرافياً، في وقت تعاني فيه إمدادات الخليج والبحر الأحمر من اضطرابات وتعطل جزئي في مساراتها التقليدية.

ووفقاً للتقرير، فإن اليابان تحولت إلى الدولة التي تدفع أعلى تكلفة عالمياً لاستيراد النفط الخام، نتيجة اعتمادها الكبير على رحلات طويلة عبر ناقلات ضخمة تضطر لتعويض الاضطرابات في الممرات القريبة بالبحث عن بدائل أبعد. كما لفت التقرير إلى أن مشترين هنوداً باتوا هم أيضاً يوسعون دائرة بحثهم عن الإمدادات، ويتجهون إلى مصادر أبعد من مساراتهم المعتادة، في مؤشر على أن أزمة الشحن لم تعد محصورة بسوق واحد بل تمتد إلى أكبر المستوردين الآسيويين.

هذه الديناميكية تعني عملياً أن جزءاً متزايداً من فاتورة النفط لا يرتبط بسعر البرميل في سوق الخام نفسه، بل بتكلفة نقله، ما يضيف طبقة جديدة من التقلب على أسعار الطاقة العالمية في وقت تتغير فيه خرائط تجارة النفط البحرية بشكل متسارع.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تمثل مصدراً رئيسياً للنفط الخام المتجه إلى آسيا، فإن ارتفاع تكاليف الشحن قد يحمل تأثيرات مزدوجة. فمن جهة، قد تستفيد شركات النفط الوطنية الخليجية وشركات النقل البحري المرتبطة بها من ارتفاع أجور الشحن إذا كانت تمتلك أو تشغّل أساطيل ناقلات، بينما قد يواجه المصدرون الخليجيون في الوقت نفسه ضغوطاً تنافسية إذا فضّل بعض المشترين الآسيويين، مثل اليابان والهند، تنويع مصادرهم بعيداً عن مسارات الخليج والبحر الأحمر المتوترة بحثاً عن استقرار أكبر في تكلفة النقل.

ومن جهة أخرى، يُتوقع أن يبقى أي اضطراب في ممرات الشحن قرب الخليج والبحر الأحمر عامل ضغط إضافي على أسعار النفط عالمياً، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على اقتصادات الخليج المرتبطة بشدة بعائدات النفط والغاز. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن عموماً قد يُبقي الضغوط التضخمية قائمة على مستوى العالم، وهو أمر تراقبه البنوك المركزية الخليجية عن كثب نظراً لارتباط عملات المنطقة بالدولار الأمريكي وتأثير قرارات الفائدة الأمريكية على تكلفة الاقتراض المحلية.

بشكل عام، تبقى هذه التطورات في سوق الشحن البحري إحدى الإشارات التي قد تدفع مسؤولي الطاقة في الخليج إلى إعادة تقييم استراتيجيات تسويق النفط والغاز، خصوصاً في ما يتعلق بعقود الشحن طويلة الأجل وتوجيه الصادرات نحو أسواق أقرب جغرافياً كلما كان ذلك ممكناً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولاً جذرياً وشيكاً في خرائط التصدير التقليدية.