بعد موجة طويلة من الإنفاق الضخم على تقنيات الذكاء الاصطناعي دون أن تظهر عوائد ملموسة في البيانات المالية، بدأت بعض الشركات الكبرى حول العالم تقدّم أدلة على أن هذه الاستثمارات أخذت تؤتي ثمارها فعلياً. وبحسب ما ذكرته شبكة CNBC الأمريكية، فإن شركات من بينها البنك الإسباني سانتاندير وشركة الأدوية السويسرية نوفارتس أفادتا بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يُسهم في تعزيز الإيرادات أو خفض التكاليف أو تحسين الربحية، في وقت يتزايد فيه ضغط المستثمرين للحصول على عوائد ملموسة مقابل أموال ضخمة ضُخّت في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة.
ووفقاً لما نقلته CNBC، فإن هذا التحول يأتي في سياق مرحلة جديدة من دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إذ انتقل الحديث من الوعود المستقبلية والتوقعات النظرية إلى محاولة قياس الأثر الفعلي في بيانات الأرباح الفصلية. فالمستثمرون الذين تحمّلوا سنوات من الإنفاق الرأسمالي الكبير على البنية التحتية والبرمجيات الذكية باتوا يطالبون الشركات بتبرير هذا الإنفاق عبر نتائج ملموسة، سواء في شكل نمو المبيعات، أو تحسّن هوامش الربح، أو تراجع التكاليف التشغيلية.
ويشير هذا النوع من الإفصاحات، بحسب التقرير، إلى أن قطاعات متعددة بدأت تدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية بشكل أعمق مما كان عليه الحال قبل عامين أو ثلاثة أعوام، حين كانت معظم المبادرات لا تزال في طور التجربة أو المراحل الأولى من التطبيق. ويبدو أن القطاع المالي وقطاع الأدوية، ممثلَين في سانتاندير ونوفارتس على التوالي، من بين القطاعات التي بدأت تُظهر نتائج أسرع نسبياً، ربما بفعل طبيعة العمليات القابلة للأتمتة والتحليل الكثيف للبيانات في هذين المجالين.
هذا التحول يحمل دلالة أوسع بالنسبة للأسواق المالية العالمية، إذ ظل المستثمرون لفترة طويلة يراهنون على قصة مستقبلية للذكاء الاصطناعي أكثر من كونها نتائج فعلية، ما دفع إلى تقييمات مرتفعة لشركات التكنولوجيا ومزوّدي البنية التحتية السحابية ورقائق المعالجة. ومع بدء ظهور أرقام ملموسة في قطاعات تقليدية مثل البنوك والأدوية، قد يتحول النقاش تدريجياً من مدى حجم الإنفاق إلى مدى كفاءة تحويله إلى قيمة اقتصادية فعلية.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
قد يحمل هذا التوجه دلالات غير مباشرة لأسواق المال الخليجية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً من الشركات المدرجة، خصوصاً في القطاعين المصرفي والاتصالات، بتبني حلول الذكاء الاصطناعي ضمن خطط التحول الرقمي. فإذا تأكد أن هذه الاستثمارات بدأت تنعكس فعلياً على نتائج أعمال شركات عالمية كبرى مثل سانتاندير، فقد يدفع ذلك بنوكاً وشركات خليجية مدرجة في أسواق مثل تداول السعودية أو سوق دبي المالي إلى تسريع وتيرة الإفصاح عن مردود استثماراتها التقنية في تقاريرها المالية المقبلة، بما قد يعزز ثقة المستثمرين المحليين في هذا النوع من الإنفاق.
كما أن ارتباط عملات دول مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأمريكي يجعل أي تحول في معنويات المستثمرين العالميين تجاه قطاع التكنولوجيا، سواء بالإيجاب أو السلب، ينتقل أثره بشكل غير مباشر إلى تكلفة التمويل والسيولة المتاحة للشركات الخليجية التي تلجأ إلى أسواق الدين أو التمويل الدولي لتمويل مشاريعها التقنية. ومع ذلك، يبقى من المبكر الجزم بأن هذا التحول سينعكس بشكل مباشر وسريع على تقييمات الشركات المدرجة في الخليج، إذ يتطلب الأمر مزيداً من الأدلة الكمية على مدى اتساع هذه الظاهرة عبر قطاعات وجغرافيات أوسع.




