تتشكل ملامح سباق تسلح جديد، لكن هذه المرة ليس في الفضاء أو على الأرض، بل في أعماق قاع المحيطات. وبحسب ما ذكرته شبكة CNBC الأمريكية، تتسارع وتيرة استثمار الدول والشركات في تقنيات مخصصة للاستخدام تحت سطح الماء، في ظل تصاعد المخاوف من مدى هشاشة البنية التحتية الحرجة الممتدة على قاع البحار.
وتشير التقارير إلى أن هذا التحول يأتي في سياق أوسع من التوترات الجيوسياسية المتزايدة، حيث بدأت الحكومات والشركات الدفاعية والتكنولوجية تنظر إلى قاع المحيط باعتباره ساحة استراتيجية جديدة لا تقل أهمية عن البر والجو والفضاء. فالكابلات البحرية التي تحمل حركة الإنترنت العالمية، وخطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز بين القارات، تُعد جميعها منشآت حيوية تقع في معظمها بعيداً عن أي حماية مباشرة، ما يجعلها عرضة لأعمال تخريب أو تجسس أو حتى هجمات محتملة، سواء من جهات دولة أو من فاعلين غير حكوميين.
وبحسب ما أوردته CNBC، تدفع هذه الهواجس شركات التكنولوجيا الدفاعية إلى تطوير أنظمة مراقبة وحسّ متقدمة قادرة على رصد أي نشاط غير معتاد في القاع البحري، إلى جانب طائرات مسيّرة بحرية (Sea Drones) يمكن استخدامها في مهام الاستطلاع والحماية والردع تحت الماء. هذه الأدوات لم تعد حكراً على الأغراض العسكرية التقليدية فقط، بل باتت تُستخدم أيضاً في حماية الأصول التجارية الحساسة، مثل شبكات الكابلات التي تربط القارات ببعضها وتُعتبر شرايين حيوية للاقتصاد الرقمي العالمي.
ويرى مراقبون أن الاهتمام المتزايد بهذا القطاع يعكس تحولاً في فهم الدول لمفهوم الأمن القومي، الذي لم يعد مقتصراً على الحدود البرية والبحرية الظاهرة، بل امتد إلى ما هو مخفي تحت سطح الماء. وهذا التوجه، كما تصفه CNBC، يضع الشركات العاملة في مجالات التكنولوجيا البحرية والدفاعية في موضع اهتمام متزايد من قبل الحكومات التي تسعى لتأمين بنيتها التحتية الرقمية والطاقية من أي اختراق أو تعطيل.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
قد يحمل هذا التوجه العالمي دلالات غير مباشرة لدول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على شبكات الكابلات البحرية لنقل بيانات الإنترنت وربط اقتصاداتها الرقمية المتنامية بالعالم، إلى جانب اعتمادها على خطوط أنابيب وموانئ نفطية استراتيجية تمر عبر ممرات مائية حساسة مثل مضيق هرمز. ومع تصاعد المخاوف الدولية من هشاشة هذه المنشآت، يُتوقع أن تجد دول المنطقة نفسها أمام حوافز إضافية لزيادة الإنفاق على حماية بنيتها التحتية البحرية، سواء عبر شراكات مع شركات تكنولوجيا دفاعية عالمية أو من خلال تطوير قدرات محلية.
كما أن أي اضطراب مستقبلي محتمل في هذه الممرات البحرية الحيوية، ولو كان افتراضياً في الوقت الراهن، قد ينعكس عادةً على تكاليف التأمين البحري وأسعار الشحن، وربما على تدفقات الطاقة عبر أهم الممرات المائية في العالم. ونظراً لارتباط عملات معظم دول مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأمريكي، فإن أي توترات جيوسياسية تمس أسواق الطاقة أو تدفقات البيانات العالمية قد تنعكس بشكل غير مباشر على تكلفة الاقتراض وحركة الأسواق المالية في المنطقة، وهو أمر يستدعي من المستثمرين والمتابعين متابعة هذا الملف باعتباره أحد المتغيرات الجيوسياسية الناشئة التي قد تؤثر تدريجياً على بيئة الاستثمار الإقليمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أثراً فورياً أو مباشراً على أي سوق خليجي بعينه في الوقت الحالي.





