تتجه منطقة اليورو نحو موجة تضخمية جديدة مصدرها الطاقة، بعد أن أظهرت بيانات سبتمبر ارتفاعات لافتة في أسعار المستهلكين ببعض أكبر اقتصادات القارة، وهو ما بدأ يضع البنك المركزي الأوروبي في موقف سياسي حساس بشأن مساره المقبل لأسعار الفائدة.
وبحسب ما ذكر موقع "أويل برايس" (OilPrice)، فإن الأرقام الأخيرة تُظهر زخماً تضخمياً قوياً بشكل خاص في جنوب أوروبا، حيث سجّل معدل التضخم المنسّق في إسبانيا قفزة إلى 5.0% في سبتمبر، مقارنة بـ4.6% في أغسطس، وهو أعلى مستوى تصل إليه البلاد منذ عدة سنوات. وأشارت وكالة الإحصاء الإسبانية (INE)، وفق ما نقله الموقع، إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والزيوت (fuels and lubricants) كان من بين العوامل الرئيسية التي غذّت هذا التسارع.
هذا التطور يعيد إلى الواجهة السيناريو الذي عاشته أوروبا خلال أزمة الطاقة السابقة، حين تحولت صدمات أسواق النفط والغاز بسرعة إلى ارتفاعات في فواتير الوقود والنقل، ثم انتقلت تباعاً إلى تكاليف السلع والخدمات الأخرى. والفارق هذه المرة أن الصدمة تأتي في وقت كان البنك المركزي الأوروبي يحاول فيه ترسيخ قناعة الأسواق بأن مسار خفض التضخم نحو الهدف المستهدف يسير بثبات، مما يجعل أي تسارع جديد مصدر إحراج لصناع السياسة النقدية في فرانكفورت.
فإذا استمرت أسعار الطاقة في الضغط على مؤشرات الأسعار في الاقتصادات الجنوبية الكبرى، فإن ذلك قد يعقّد حسابات البنك المركزي الأوروبي بشأن توقيت وحجم أي تخفيضات مقبلة لأسعار الفائدة، خصوصاً إذا تبين أن الارتفاع ليس ظاهرة عابرة بل يعكس ضغوطاً أعمق مرتبطة بتكاليف الطاقة على مستوى القارة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
من منظور الأسواق الخليجية، فإن أي صدمة تضخمية في أوروبا مرتبطة بأسعار الطاقة تحمل دلالات مزدوجة. فمن جهة، يُتوقع أن يكون لأي ارتفاع مستمر في أسعار النفط والغاز أثر إيجابي على عائدات الصادرات النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تعتمد موازناتها العامة بشكل كبير على هذا القطاع. ومن جهة أخرى، فإن تصاعد التضخم في أوروبا قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً أو أطول أمداً من المتوقع، وهو أمر قد يؤثر بشكل غير مباشر على تكلفة الاقتراض العالمية وعلى تدفقات رأس المال نحو الأسواق الناشئة، بما فيها أسواق الخليج.
كما أن عملات دول الخليج المرتبطة بالدولار الأمريكي، مثل الريال السعودي والدرهم الإماراتي، تبقى أكثر تأثراً بسياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منها بسياسة البنك المركزي الأوروبي بشكل مباشر، لكن أي تقلبات في أسواق الطاقة العالمية عادةً ما تنعكس على معنويات المستثمرين في بورصات المنطقة، بما فيها سوق تداول السعودي، بشكل غير مباشر عبر قناة أسعار النفط والغاز.
وبشكل عام، يُرجّح محللون أن تظل أسواق الخليج، بما في ذلك أسهم الطاقة والقطاعات المرتبطة بها، في وضع مراقبة دقيقة لمسار التضخم الأوروبي ولردود فعل صناع السياسة النقدية في القارة العجوز، باعتبار أن استقرار أو تصاعد أسعار الطاقة يظل أحد أهم المحددات لتوجهات النمو الاقتصادي في دول المجلس خلال الفترة المقبلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أثراً مباشراً وفورياً على حركة التداول اليومية في البورصات الخليجية.





