أعادت الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، ترتيب أولوياتها في سوق الخام العالمي، حيث كشفت تقارير إعلامية هندية عن زيادة ملحوظة في وارداتها من نفط الشرق الأوسط مقابل تراجع في مشترياتها من الخام الروسي، وذلك بحسب بيانات شركة تحليل السوق "كبلر" (Kpler) التي استشهدت بها صحيفة "ذا تيليغراف" البريطانية.

وبحسب موقع "أويل برايس" (OilPrice) الذي نقل عن تلك البيانات، بلغ متوسط واردات الهند من النفط من دول الشرق الأوسط نحو 3 ملايين برميل يومياً خلال الشهر الجاري، في وقت انخفضت فيه واردات الخام الروسي إلى متوسط يومي بلغ 1.75 مليون برميل. ووفقاً لأويل برايس، فإن هذا المستوى من واردات الشرق الأوسط يمثل عودة إلى المعدلات التي كانت سائدة قبل الحرب في أوكرانيا، حين كانت دول الخليج المصدر التقليدي الأكبر للنفط الهندي.

وعلى الرغم من هذا التحول في مصادر التوريد، أشار التقرير إلى أن نيودلهي لا تعتزم إيقاف وارداتها من الخام الروسي بشكل كامل، رغم التهديدات الأمريكية بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 100% على السلع المرتبطة بالتجارة مع روسيا. وتعكس هذه الخطوة سعي الهند إلى إعادة التوازن بين مصادر إمداداتها النفطية، بما يوازن بين تخفيف الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية من واشنطن، والاستمرار في الاستفادة من الخصومات التي كانت تحصل عليها من الخام الروسي منذ بدء الحرب في أوكرانيا.

وتُعد الهند من أكبر المستفيدين من الخام الروسي منخفض التكلفة نسبياً منذ فرض العقوبات الغربية على موسكو، حيث تحوّلت مصافي التكرير الهندية إلى شراء كميات ضخمة من هذا الخام بأسعار مخفضة عن مستوياته العالمية. لكن الضغوط الأمريكية المتصاعدة، بما فيها التهديد بتعريفات جمركية مرتفعة على الصادرات الهندية إلى السوق الأمريكية، دفعت شركات التكرير الهندية إلى إعادة توجيه بعض مشترياتها نحو منتجي الشرق الأوسط التقليديين، الذين تربطهم بالهند علاقات تجارية ولوجستية طويلة الأمد.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

يُتوقع أن يصب هذا التحول في مصلحة منتجي النفط في الخليج، إذ تُعد الهند من أكبر أسواق التصدير لدول مجلس التعاون الخليجي، وأي زيادة في حجم الواردات الهندية من الشرق الأوسط قد تعني طلباً إضافياً مستقراً على الخام الخليجي في المدى المتوسط. كما قد يُترجم هذا التوجه إلى تعزيز حصص السوق لمنتجين مثل السعودية والإمارات والعراق في السوق الهندية، خصوصاً إذا استمرت الضغوط الأمريكية على واردات النفط الروسي.

ومن زاوية أخرى، فإن استقرار الطلب الآسيوي على الخام الخليجي قد يدعم بشكل غير مباشر الإيرادات النفطية لدول الخليج، وهو عامل يرتبط عادةً بأداء الموازنات العامة وموقف عملات المنطقة المرتبطة بالدولار، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحركاً فورياً أو حاداً في أسعار الخام العالمية مثل برنت، التي تتأثر بعوامل عرض وطلب أوسع تتجاوز حجم مشتريات دولة واحدة. وبشكل عام، فإن ديناميكيات إعادة توجيه التجارة النفطية بين الهند وروسيا والشرق الأوسط تبقى من المتغيرات التي قد يتابعها المستثمرون الخليجيون عن كثب، لما لها من انعكاسات محتملة على أسواق الطاقة الإقليمية وأسواق الأسهم المرتبطة بها.