في كل مرة تشهد فيها الأسواق المالية طفرة استثمارية كبرى، يتجدد السؤال ذاته: هل نحن أمام نمو حقيقي مستدام، أم فقاعة أخرى تنتظر الانفجار؟ هذا السؤال يطرحه تقرير نشره موقع Yahoo Finance، الذي يعود إلى 150 عاماً من تاريخ الأسواق المالية لاستخلاص دروس قد تنطبق على موجة الاستثمار الحالية في الذكاء الاصطناعي.
وبحسب ما ذكره الموقع، فإن المراقبين والمستثمرين فشلوا تاريخياً في استشعار الانهيارات الكبرى قبل وقوعها، مستشهداً بثلاث محطات فاصلة في تاريخ الأسواق: أزمة عام 1873، وانهيار عام 1929 الذي أطلق شرارة الكساد الكبير، ثم انفجار فقاعة شركات الإنترنت عام 2000. في كل من هذه الحالات، بحسب التقرير، كانت القناعة السائدة في أوج الصعود أن النمو سيستمر إلى ما لا نهاية، قبل أن تنقلب الأسواق بشكل مفاجئ وحاد.
وما يميز الوضع الراهن، بحسب التقرير ذاته، أن الأموال تتدفق إلى قطاع الذكاء الاصطناعي بمعدل أعلى بكثير مما كان عليه الحال في كل من تلك الانهيارات الثلاثة مجتمعة. هذا التدفق غير المسبوق في وتيرته يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الشركات والمستثمرون يقيّمون المخاطر بالشكل الكافي، أم أن الحماس التكنولوجي يكرر نمط "هذه المرة مختلفة" الذي سبق كل فقاعة من الفقاعات التاريخية.
المشترك بين هذه المحطات التاريخية الثلاث، بحسب التحليل، هو أن علامات التحذير كانت غالباً موجودة لكن قلة من المراقبين انتبهوا إليها في حينها، إذ يميل المستثمرون في ذروة النشوة الاستثمارية إلى تجاهل الإشارات السلبية وتضخيم التوقعات المستقبلية للعوائد. وهذا النمط السلوكي، بحسب التقرير، ليس حكراً على حقبة معينة بل يتكرر مع كل موجة تقنية أو مالية جديدة، من السكك الحديدية في القرن التاسع عشر إلى أسهم التكنولوجيا في مطلع الألفية.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
رغم أن التقرير يتحدث عن سياق أمريكي بالأساس، إلا أن تداعيات أي تصحيح محتمل في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي قد تمتد إلى الأسواق الخليجية بعدة طرق غير مباشرة. فمؤسسات الاستثمار السيادي في دول الخليج، التي ضخت في السنوات الأخيرة استثمارات متزايدة في شركات التقنية وريادة الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد تكون عرضة لتقلبات في قيمة هذه الأصول إذا شهدت الأسواق الأمريكية تصحيحاً حاداً مشابهاً لما جرى عام 2000.
كما أن ارتباط عملات مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأمريكي يعني أن أي اضطراب كبير في الأسواق الأمريكية، وما قد يصاحبه من تغيرات في توجهات الفائدة الأمريكية، ينعكس عادةً وبسرعة على تكلفة الاقتراض وحركة الأسواق المالية في المنطقة، بما في ذلك بورصات مثل تداول السعودية وسوق دبي المالي. ومن المرجح أن يراقب المستثمرون الخليجيون عن كثب أي إشارات تصحيح في تقييمات شركات التقنية الكبرى، نظراً لثقل هذه الشركات في المحافظ الاستثمارية العالمية التي تشارك فيها صناديق الثروة السيادية الخليجية.
في المحصلة، يبقى الدرس الأبرز من هذا الاستعراض التاريخي أن النمو السريع وحده ليس دليلاً كافياً على استدامته، وأن تقييم المخاطر بعناية يظل ضرورياً سواء للمستثمرين الأفراد أو المؤسسات الكبرى، بصرف النظر عن حجم الحماس المحيط بأي قطاع واعد.





