سلّط تقرير نشره موقع الجزيرة نت الضوء على تحذيرات متصاعدة بشأن الكلفة الاقتصادية والسياسية لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأشهر العشرين الماضية من إدارته، في وقت تتعالى فيه الانتقادات من داوئر سياسية وأكاديمية أمريكية بشأن ما تصفه بتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات الأخرى.

ووفقاً لما جاء في تقرير الجزيرة نت، فإن هذه السياسات ساهمت في تعميق الاستقطاب الداخلي بين مكونات المجتمع الأمريكي، وهو ملف يرى محللون أنه لا ينفصل عن الأداء الاقتصادي للبلاد، إذ إن حالة الانقسام السياسي غالباً ما تنعكس على الثقة في الأسواق وقرارات الاستثمار طويلة الأجل، كما تؤثر على قدرة الكونغرس على تمرير حزم مالية أو ميزانيات متفق عليها.

ولفت التقرير إلى مخاوف من إضعاف التحالفات التقليدية لواشنطن، وهو عامل يحمل بعداً اقتصادياً مباشراً لا يقل أهمية عن بعده السياسي، فالتحالفات الأمنية والتجارية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود كانت تشكل عماداً لتدفقات التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد العالمية. أي تراجع في هذه الشراكات، بحسب ما أشار التقرير، قد يترجم إلى كلفة إضافية على الشركات الأمريكية العاملة في الخارج، وعلى حلفاء واشنطن الذين اعتادوا التنسيق الاقتصادي والدفاعي معها.

كما ربط التقرير بين هذه التطورات وبين الحروب والتوترات الخارجية التي تنخرط فيها أو تدعمها الإدارة الأمريكية، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يفرض أعباء مالية متصاعدة على الخزانة الأمريكية، في وقت تواجه فيه واشنطن أصلاً تحديات متعلقة بمستويات الدين العام وكلفة خدمته.

ويرى مراقبون، بحسب ما أورده التقرير، أن مجمل هذه العوامل مجتمعة -من توسع السلطة التنفيذية إلى الاستقطاب الداخلي وإضعاف التحالفات وكلفة التوترات الخارجية- قد تُضعف مكانة الولايات المتحدة على المدى المتوسط، وهو تحذير يحمل طابعاً سياسياً بالدرجة الأولى لكنه يحمل في جوهره أسئلة اقتصادية جوهرية حول استمرارية القوة الأمريكية العالمية ومدى قدرتها على الحفاظ على ثقة الأسواق والشركاء الدوليين.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

تربط دول مجلس التعاون الخليجي عملاتها بالدولار الأمريكي بشكل مباشر أو شبه مباشر، وهو ما يجعل أي تحول جوهري في الثقة بالسياسة الأمريكية أو في استقرار مؤسساتها أمراً تتبعه الأسواق الخليجية عن كثب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أثراً فورياً على سعر الصرف. عادةً ما تنعكس حالات القلق السياسي في واشنطن على حركة رؤوس الأموال العالمية وعلى تكلفة الاقتراض الدولية، وهي عوامل قد تصل بشكل غير مباشر إلى أسواق المال الخليجية عبر تقلبات أسعار النفط أو تغير شهية المستثمرين الأجانب تجاه الأصول الناشئة والخليجية. كما أن أي تراجع محتمل في متانة التحالفات الأمريكية التقليدية، بحسب ما أشارت إليه التقارير، قد يدفع بعض دول الخليج إلى مزيد من تنويع شراكاتها الاقتصادية والاستثمارية بعيداً عن الاعتماد الحصري على واشنطن، وهو مسار تشهده المنطقة بالفعل خلال السنوات الأخيرة. ومن المرجح أن تبقى بورصات المنطقة، مثل سوق دبي المالي وتداول السعودية، متأثرة بشكل أساسي بمسار أسعار الطاقة وقرارات بنوك مركزية كبرى أكثر من تأثرها المباشر بالجدل السياسي الداخلي الأمريكي، لكن هذا لا يمنع أن تبقى التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية عاملاً يستحق المتابعة من قبل المستثمرين في المنطقة.