في مفارقة لافتة لمتعاملي أسواق الدين الأمريكية، ارتفع عائد سند الخزانة الأمريكي لأجل 10 سنوات، وهو المرجع الأهم لتسعير تكلفة الاقتراض عالمياً، على الرغم من أن تقرير الوظائف الأمريكي لشهر سبتمبر جاء أضعف بكثير من توقعات الاقتصاديين. وبحسب ما ذكرته شبكة CNBC الأمريكية، فإن هذا التحرك في العوائد جاء بشكل يخالف السلوك التقليدي للسوق، حيث يُفترض أن تدفع بيانات التوظيف الضعيفة المستثمرين إلى شراء السندات طلباً للأمان، مما يرفع أسعارها ويخفض عوائدها، لا العكس.

وأشارت CNBC إلى أن التقرير الوظيفي الأمريكي الصادر عن شهر سبتمبر جاء أضعف بكثير من المتوقع، وهو وصف يعكس مدى المفاجأة التي خلقتها الأرقام لدى المتعاملين في وول ستريت، الذين كانوا يراهنون على بيانات تدعم استمرار الاقتصاد الأمريكي في مسار تباطؤ تدريجي ومنضبط بدلاً من تراجع حاد.

تكمن أهمية هذا التناقض في أنه يضع صناع السياسة النقدية في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أمام معادلة أكثر تعقيداً. فمن جهة، تشير بيانات التوظيف الضعيفة إلى تباطؤ في سوق العمل قد يستدعي مزيداً من التيسير النقدي، ومن جهة أخرى فإن ارتفاع العوائد في السوق قد يعكس مخاوف أعمق لدى المستثمرين، تتعلق بعوامل أخرى مثل مخاطر التضخم المستمر أو حجم الدين الحكومي الأمريكي المتصاعد وما يرتبط به من عرض متزايد للسندات في السوق.

هذا النوع من التباعد بين توجهات البيانات الاقتصادية وتحركات العوائد يُعد من أكثر الإشارات التي يتابعها المحللون الماليون بعناية، لأنه قد يلمّح إلى أن السوق يعيد تقييم فرضياته حول وتيرة خفض الفوائد المرتقبة من الفيدرالي، أو أنه يستجيب لعوامل بنيوية في سوق السندات نفسها بعيداً عن دورة الأعمال التقليدية.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

يُتوقع أن ينتقل تأثير هذا التحرك في عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى أسواق الخليج عبر قنوات متعددة، أبرزها ارتباط عملات دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها الريال السعودي والدرهم الإماراتي، بالدولار الأمريكي. فأي ارتفاع في عوائد الخزانة الأمريكية عادةً ما يترجَم إلى ارتفاع مواز في تكلفة الاقتراض بالعملات المرتبطة بالدولار، بما يشمل أدوات الدين السيادية والشركاتية في الخليج، نظراً لأن هذه العوائد تُستخدم كمرجع أساسي لتسعير السندات والصكوك الإقليمية.

كما قد تنعكس هذه التحركات على أسواق الأسهم الخليجية، حيث تميل البورصات المحلية، مثل سوق تداول السعودي وسوق دبي المالي، إلى التأثر بمعنويات المستثمرين العالميين تجاه الأصول الأمريكية، خصوصاً في ظل تزايد حساسية الأسواق الناشئة والخليجية لتوجهات الفيدرالي بشأن أسعار الفوائد. فإذا استمر ارتفاع العوائد رغم ضعف بيانات التوظيف، فقد يفسَّر ذلك بتراجع احتمالات خفض الفوائد بالسرعة المتوقعة، وهو ما قد يضع ضغطاً إضافياً على تكلفة تمويل المشروعات الكبرى في المنطقة، لا سيما تلك المرتبطة بخطط التنويع الاقتصادي طويلة الأجل. وتبقى هذه التوقعات مرهونة بمدى استمرار هذا التباعد بين بيانات الاقتصاد الحقيقي وتحركات سوق السندات في الأسابيع المقبلة.