حذّر البنك الدولي في تقرير جديد من أن إمدادات النفط العالمية مقبلة على أكبر تراجع لها منذ أربعة عقود، في تطور قد يعيد رسم خريطة أسواق الطاقة العالمية خلال الفترة المقبلة. وبحسب ما نقلته شبكة الجزيرة نقلاً عن التقرير، فإن هذا التراجع المتوقع في الإمدادات سيترافق مع ارتفاع حاد في أسعار الطاقة يصل إلى 32%، وهو ما يضع الأسواق العالمية أمام تحديات تضخمية جديدة بعد سنوات من محاولات كبح جماح الأسعار.

ولم يقتصر التحذير على قطاع الطاقة وحده، إذ أشار التقرير -وفق ما أوردته الجزيرة- إلى أن أسعار السلع الأولية بشكل عام مرشحة لقفزة تبلغ 23% خلال عام 2026، وهي نسبة كبيرة تنذر بضغوط تضخمية متجددة على الاقتصادات حول العالم، خصوصاً تلك التي لا تزال تتعافى من موجات الغلاء السابقة.

وربط التقرير هذه التوقعات القاتمة بعاملين رئيسيين يتصاعدان في آن واحد: الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، واضطرابات التجارة العالمية التي باتت سمة ثابتة في المشهد الاقتصادي الدولي خلال الفترة الأخيرة. وبحسب التقرير، فإن تداخل هذين العاملين يرفع مستوى المخاطر المحيطة بالأمن الغذائي عالمياً، إذ إن ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي والنقل، ما يهدد بتفاقم أزمات الغذاء في الدول الأكثر هشاشة اقتصادياً.

ويأتي هذا التحذير في وقت حساس، حيث تحاول البنوك المركزية الكبرى حول العالم الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم، وأي صدمة جديدة في أسعار الطاقة من شأنها أن تعقّد هذه المعادلة بشكل كبير، وتدفع صناع القرار النقدي إلى إعادة النظر في مسارات أسعار الفائدة التي كانت تتجه نحو التيسير في عدد من الاقتصادات الكبرى.

ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟

بالنسبة لدول الخليج، فإن أي ارتفاع متوقع في أسعار النفط والطاقة، كما أشار إليه تقرير البنك الدولي، قد يحمل في ظاهره فائدة مباشرة لاقتصادات تعتمد بشكل كبير على عائدات صادرات النفط والغاز، إذ من المرجح أن ترتفع الإيرادات الحكومية في دول مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر إذا تحقق هذا السيناريو فعلياً. غير أن الصورة ليست بهذه البساطة، فارتفاع أسعار الطاقة بهذا الحجم قد يترافق أيضاً بضغوط تضخمية عالمية تنتقل أثرها إلى اقتصادات الخليج عبر فاتورة الاستيراد، خصوصاً في ظل ارتباط عملات دول مجلس التعاون بالدولار الأمريكي، ما يجعلها عرضة لتقلبات السياسة النقدية الأمريكية التي قد تتأثر بدورها بهذه الضغوط التضخمية الجديدة.

كما أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، والتي أشار إليها التقرير كأحد أسباب تراجع الإمدادات، قد ينعكس بدوره على تكلفة التمويل وأقساط المخاطر في أسواق المال الخليجية، بما في ذلك سوق الأسهم السعودية وبورصات المنطقة الأخرى. وعادةً ما تستجيب هذه الأسواق لمثل هذه التقارير بحذر، إذ يوازن المستثمرون بين الفائدة المحتملة من ارتفاع عائدات النفط وبين تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي على الثقة الاستثمارية العامة. ومن المتوقع أن تراقب الجهات الرسمية في دول الخليج تطورات أسواق الطاقة العالمية عن كثب خلال الأشهر المقبلة، نظراً لحساسية الموازنات العامة لهذه الدول تجاه تقلبات أسعار النفط صعوداً وهبوطاً.